لسنواتٍ عديدة كنتُ أصرّ على أسناني أثناء النوم، وكان هذا سرّي الذي أخجل منه وأخشى البوح به، خصوصًا بعد تشخيص الطبيب بأنّه شدٌّ عصبيّ ناتج عن ضغطٍ نفسيّ، وعلاجه أقراصٌ مرخية لعضلات الفكّين.
لكنّي اليوم أشعر بالراحة عندما علمت أنّ ما يُقارب (8 إلى 10%) من البالغين يشاركونني هذا المرض.
هذا ما جاء على لسان السيدة أم مؤمل، في عقدها الرابع، خلال مقابلةٍ أجرتها معها مجلة القوارير، ومع مجموعةٍ من الأشخاص الذين يعانون من هذه العادة أثناء نومهم.
كشف الحقيقة
في هدوء الليل، وبينما يغرق معظم الناس في نومٍ عميق، يستيقظ آخرون على صوت احتكاكٍ قاسٍ يصدر من أفواههم، إنها عادة صرير الأسنان، وهي حالة شائعة أكثر مما نتخيّل، لكنها غالبًا تمرّ دون ملاحظة، حتى تبدأ آثارها المؤلمة في الظهور على الأسنان والفكّ، وأحيانًا بالصداع المستمر.
حدّثتنا السيدة أم كرار، ربّة بيت، قائلةً: "كان ابني كرار في الثامنة من عمره يعاني من صداعٍ شديدٍ يلازمه كل صباح، تملّكني الخوف فعرضته على طبيبٍ مختصٍّ بالأمراض العصبية، الذي نفى وجود أيّ مشاكل كداء الشقيقة أو غيرها، منوّهًا إلى أنّ السبب ربما يكون ضغط الدراسة، أو قلّة النوم، أو الإكثار من اللعب على الأجهزة الذكية".
وتابعت: "المسكّنات التي صرفها الطبيب لم تساعد ابني على الشفاء، بل تفاقمت حالته وبدأت أسنانه الأمامية تتآكل على نحوٍ مقلق، وهنا قررت زيارة طبيب الأسنان ليكشف لنا الحقيقة: وهي أنّه يعاني من صرير الأسنان، أي يصكّ على أسنانه ليلًا أثناء نومه دون شعور، ليتحوّل نومه الهادئ إلى ساحة ضغطٍ مؤذيةٍ للفكّ والأسنان، مسبّبةً له صداعًا شديدًا كل صباحٍ عند استيقاظه.
وبعد جلساتٍ مرخيةٍ من العلاج الطبيعي للفكّين مع العلاج الدوائي اللازم، تحسّنت صحته والحمد لله.
إنّ أغلب الأشخاص الذين يعانون من هذا المرض لا يكتشفونه بسهولة، لذا عليهم السؤال عن الحالة وعدم التردد أو الخجل من معالجتها بالشكل الصحيح.
عادة غير صحية
من جانبه قال عمار عبد الزهرة المسلماني، أستاذ جامعي: "صرير الأسنان مرضٌ يتسلّل بصمت، فقد استيقظتُ يومًا على كسرٍ في أحد أسناني الأمامية، وقال الطبيب إنّ السبب يعود إلى صريرٍ مستمرٍّ أثناء الليل وأكد المسلماني أن هذه الحالة المرضية سببها الرئيسي هو الضغط النفسي والعصبي، ويأتي ذلك إمّا من توتّر العمل، أو لدى الطلبة في فترة الامتحانات، وأحيانًا تصيب الأطفال كعادةٍ غير صحيّة.
رؤية طبية
ويحدّثنا طبيب الأسنان محمد باقر الداماد في هذا الجانب قائلاً:
إنّ صرير الأسنان هو حركةٌ لا إرادية ناتجة عن شدّ العضلات، تؤدي إلى حكّ الأسنان وتآكلها، ويُشخَّص بعدّة طرق، منها فحص حالة الأسنان في حال كانت متآكلة، أو من خلال الألم وتقلّص عضلات المضغ ومشاكل مفصل الفكّ، وهناك فحوصات يمكننا القيام بها للتشخيص مثل فحص (EMG).
وأضاف: "قد تحدث هذه الحالة بسبب عوامل نفسية كالتوتّر والقلق والاكتئاب، وأيضًا بسبب عوامل جسدية كسوء الإطباق، أو فقدان الأسنان في وقتٍ مبكّر، أو مشاكل عصبية أو عضلية أخرى.
وأكد الداماد أن صرير الأسنان ليس مرضًا وراثيًا بحدّ ذاته، لكنه قد يحدث بسبب عوامل وراثية غير مباشرة.
وأشار إلى أن أهم العوامل التي تدفع المريض لزيارة الطبيب هي: ألم في مفصل الفكّ والعضلات، وتآكل الأسنان وتحسّسها.
وإذا أُهمِل العلاج فقد يؤدي إلى مشاكل أكبر، منها ما يخصّ الأسنان، وقد يصل إلى فقدانها في نهاية المطاف، أو ما هو شائع كآلام العضلات، والصداع المزمن، واضطراب النوم، وغيرها.
وتابع قائلًا: "يختلف العلاج ويتنوّع حسب شدّة الحالة؛ ففي الحالات البسيطة يمكن الاكتفاء بأجهزة الحماية الليلية، وبعض الأدوية المرخية للعضلات، ومعالجة السبب الأساسي".
أما في الحالات الأشدّ، فيمكن استخدام البو توكس كعلاجٍ لتقليل الشدّ العضلي، بالإضافة إلى دور العلاج النفسي، وهو مهمّ جدًا إذا كان المسبّب نفسيًا كالاكتئاب أو القلق.
وختم حديثه قائلًا: "يُفضَّل ملاحظة الحالة ومعالجتها في مراحلها الأولى تجنّبًا للمضاعفات اللاحقة، ومراجعة الطبيب فور الإحساس بالمشكلة.
صحة دائمة
في الختام، قد يبدو صرير الأسنان مجرّد حركةٍ لا إراديةٍ عابرة، لكنه في الحقيقة جرس إنذار على ضغطٍ نفسيّ أو خللٍ فمويٍّ أعمق، إنّ التدخّل المبكر لا يحمي الأسنان فحسب، بل يحمي الصحة العامة وجودة النوم، لتبقى الابتسامة مشرقةً بعيدًا عن الألم.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري