متى نشعر أننا سعداء، وما الذي يبعث هذا الشعور في نفوسنا؟ سؤال تقليدي نتوقف عنده كثيرًا ثم لا نلبث أن نشعر بعجزنا عن العثور على إجابة محددة له!
فالسعادة نفسها كلمة غير محدودة المعالم، وهي في الوقت نفسه شعور نسبي يختلف كثيرًا في تعريفه وفي شرح أسبابه ودوافعه، فقد تستيقظ سعيدًا دون سبب واضح، ميّالًا للضحك وملاطفة الآخرين، ويلازمك هذا الشعور ساعات أو أيامًا، ثم يغادرك قبل أن تتذوق تمامًا حلاوة الحياة.
ويحاول العلماء، وهم لا يكفون عن محاولاتهم في سبر أغوار النفس البشرية والتوغل بعلمهم إلى أعماقها للتعرف على الأسباب التي تتحكم في سلوكنا وتحولنا إلى ناس سعداء، ولكنهم وضعوا خطًا فاصلاً وعريضًا بين المزاج، وبين الأسباب الحقيقية التي تتحكم في مشاعر الإنسان وأحاسيسه ومواقفه وسلوكه في الحياة، وخاصة سلوكه مع الآخرين، ويرى علماء النفس أن المرء يستطيع أن يجد طريقه إلى السعادة التي ينشدها في حياته إذا عرف مسبقًا الهدف الذي يسعى إليه وينشده.
هؤلاء السعداء لا يختلفون عنا اختلافًا جذريًا، ولكن ربما كان الشيء الوحيد الذي يجعل لهم فرادة بين الناس هو تلك القدرة التي يتمتعون بها على أن يستغلوا طاقاتهم وأهدافهم إلى أقصى الحدود، ثم ربطوا السعادة بسمة التسامح والعطاء، وإيثار النفس، ومساعدتهم للآخرين بدون انتظار لرد المعروف، وإدخال السرور على قلب مؤمن، مستنبطين بقدرتهم على ذلك السلوك من مبادئ أهل البيت (عليهم السلام)، وهم المتمسكون بنهج جدهم الرسول.
وقد قال (صلى الله عليه وآله): «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس»، حيث بيّن في هذا الحديث الشريف فضيلة العطاء والقرب من الله تعالى، وإسعاد المؤمن وإدخال الفرح إلى قلبه هو من أعظم ما يسعى إليه المؤمن لنيل رضا الله وقبول أعماله.
وسمة العطاء غير مقرونة بالمعونات المادية، فقد تكون بصور أخرى كمساعدة الملهوف أو التخفيف عن مكروب، وقد تكون كلمة قادرة أن تحدث تغييرًا في حياة إنسان مثل العفو عن مسيء أو رد أذى عن شخص.
ومن هذا المنطلق يحتاج المؤمن إلى روح متفانية، جل هدفها إرضاء الله والعمل بكتابه وسنن نبيه، والسير على خطى أهل البيت في التعامل مع من حوله، فالإنسان يعيش في دائرة الحياة يؤثر ويتأثر بها، فإذا ما استطاع أن يتعامل بانسيابية مع أخيه الإنسان ويتقبل اختلافه استطاع أن يصل إلى خير الدنيا والآخرة.
وهناك بعديان أساسيان في خصال المؤمن تؤهلهما لفضيلة الأرواح السعيدة:
البعد الروحي:
على المؤمن أن ينظر إلى العطاء باعتباره قربى إلى الله، لا مجرد فعل اجتماعي، وأن يستحضر أن ما نعطيه للآخرين يعود علينا بالسكينة والسرور، كما قال تعالى:
"وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا".
أي اعتبار حاجات الآخرين مرآة لإنسانيتنا، فمن يستشعر ألم الجائع أو المريض أو المحتاج، يكشف في داخله قلبًا حيًا نابضًا بالخير، ولا بد من تربية النفس على العطاء بلا منّة ولا انتظار ردّ، لأن الفضيلة الحقيقية لا تُقاس بما تحصل عليه، بل بما تزرعه في قلوب الناس عندما تُعطي، ترتفع على أنانية الذات وتقترب من المثال الأعلى للإنسان الكامل.
أما في البعد العملي:
تدريب النفس على بذل القليل يوميًا: إضافة إلى الإنفاق المادي، الكلمة الطيبة، الابتسامة، المساعدة الصغيرة، فهي تغذي الروح كما يغذي الماء الزرع.
تحويل العطاء إلى عادة حياتية، حتى يصبح جزءًا من الهوية الشخصية، وبهذا يتحول العطاء من مجرد عمل إلى سمة أصيلة للروح، فضيلة تشبه النور الذي لا يزول، ويترك أثره في النفس والآخرين.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري