يخيَّل إلينا أن الوقت مجرّد أرقام تتحرك فوق عقارب الساعات، غير أنّه في جوهره أعمق من ذلك بكثير، هو كائن حيّ، يرافقنا منذ اللحظة الأولى لبكائنا، يفتح لنا ذراعيه ببراءة الطفولة، ثم يمضي معنا في رحلة طويلة لا نعي ملامحها إلا حين تتساقط على وجوهنا أولى تجاعيد العمر.
يتنفّس في تفاصيلنا الصغيرة؛ في دفء فنجان قهوة نرتشفه على عجل، في ضحكة طفلٍ تتردّد كجرس في الذاكرة، وفي ومضة حزنٍ تترك ندبتها في الروح، وحين نغفل عنه، يتحوّل إلى ظلٍّ باهتٍ يعبر حياتنا دون أن نلمحه، كضيفٍ مرّ ولم يجد من يصغي إليه.
ولعلّ مأساة الإنسان تكمن في كونه يظنّ أن الوقت خصماً يجب مطاردته أو حبلاً يلتف حول عنقه، بينما في الحقيقة أن الوقت صديقٌ أمين، لكنه لا يحتمل الإهمال، يمنحنا ثماراً يانعة إذا زرعناه بالمعرفة، ويهدي إلينا سكينة إذا عمّرناه بالذكر والتأمل، أما إذا بدّدناه بين الندم على الأمس والخوف من الغد، فإنه يذبل بين أيدينا كما تذبل زهرة حُرمت من الماء.
في ثقافاتٍ عدّة، شُبِّه الوقت بالنهر الجاري: لا يمكنك أن تلمس الماء مرتين باليد نفسها، لأن المجرى يتجدّد بلا انقطاع، لكن في عمق هذا التشبيه يكمن درس آخر: إن النهر يترك أثره على الصخور مهما طال الزمن، وكذلك هو الوقت يترك بصمته على قلوبنا وأفكارنا، يصوغنا كما يشاء، حتى وإن لم ندرك ذلك.
يأبى إلا أن يعلّمنا أن الحاضر هو المساحة الوحيدة الصالحة للحياة، وأن أعظم هدية نهديها لأنفسنا هي أن نصادقه بدل أن نخاصمه، عندها فقط نكتشف أن الوقت ليس سيفاً يقطع أعمارنا، بل جناحاً يرفعنا نحو معنى أوسع للوجود.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري