لا زال أبي يكرر علينا موقفه مع جدّي حينما كان يخبز معه في مخبزه الخاص، وكان صغيرًا ودوره يقتصر على إخراج الخبز من التنور، فَلسَعَت النار يده فصرخ حينها، ولم يلفت إليه جدّي، بل ارتفع صوته قائلًا: (إنتَ ويامن تتعامل؟) لتكون إجابة أبي ببساطة: (مع النار)، فنظر له نظرةً بسيطة وأكمل عمله بهدوء.

هذا الموقف البسيط من شخصٍ عادي أعطاه درسًا كبيرًا في عدم التذمّر من جانب، وفهم طبيعة موقفه بالتعامل مع المقابل وفقًا لشخصيته من جانب آخر، فلو تعاطف معه حينها لاتخذها ذريعة، ووُضِعت في لبنة شخصيته قاعدةٌ مفادها: كلما مرّ بحياته شخصٌ يؤذيه يبقى متذمّرًا أكثر مما يفكر بطبيعة الشخص أو الأسباب التي جعلته يتعامل معه، وبالتالي موقف واحد يستثمره المربي ممكن أن يغيّر نظرة المرء للحياة فيجعله أكثر نضجًا.

لم يبذل جدّي حينها مجهودًا كبيرًا، سوى أنه أراه الحقيقة بما هي عليه، بمنأى عن العاطفة، وهذا العنصر بدأ يُفتقد في التربية التي تدّعي بأنها حديثة، وكذلك في الحياة الجديدة، فقد بات منسوب العاطفة يرتفع أكثر من الحقائق العقلية المنطقية، فتغيبُ دور العقل، وهذا ما يحدث الفوضى التي تراها في تعليقات مواقع التواصل عن أي حادثة أو خبر أو (ترند) كما يسمّونه.

فنمت الآن مغالطة جديدة: (ما خالف العاطفة فهو مرفوض)، بعد أن كان المعيار الرئيس هو العقل، فأصبح كل فعل يخالف القانون والشرع يجدون له مسوّغات عاطفية، أمّا ما يوافقهما فهو يتجسّد بالقساوة والصرامة والظلم، فبعض من يقرأ حادثة جدّي يحكم عليه مباشرة بأنه كان قاسيًا، دون معرفة معلومات عنه وكيف كان يتعامل مع أبنائه، وبعضهم قد يقول: لو تعاطف معه ثم أخبره برفق، وغيرها من التعليقات التي لو تم تصوير الموقف وبثّه لَاتَّسع الموضوع ووصل إلى الشتم والسبّ.

إن ثقافة المقاييس التي اختلفت وتوجّهت لضرب القيم ما هي إلّا رفض الإنسان المعاصر لرؤية الحقائق كما هي، بل اعتاد على التزييف المرضي لمراعاة نفسه ومشاعره.