إنّ من السهولةِ بمكانٍ أن تحسمَ الرأيَ في أمرٍ لم تُعايشه، وتجربةٍ لم تمرّ بها، وأن تُكثّفَ اليقينَ بمبادئك وآرائك طالما أنّك لا تزال تُجاهر بها من منطقة راحتك وأمنك؛ إذ إنّ البحرَ يبدو أزرقَ، هادئاً، مسالماً حين تتمتع برؤيته وقدماك على رمل شاطئه، والحديثُ عن ألمٍ ما يتخذُ بُعداً فلسفياً حين تصفه وأنت تتمتع بعافيتك، وكذلك الأمرُ فيما يتعلّق بثباتك على مبادئك وأفكارك دون أن تختبر تغيّر الأرض والمجتمع من حولك.

يبني المرءُ جذوراً راسخةً في المكان الذي ينشأ فيه: وسط عائلته، ومجتمعه، ودائرة معارفه، وتُدعَّم هذه الجذورُ بمختلف المغذّيات مثل الدين، واللغة، والعادات، ونمط التربية، والدراسة، وغيرها، كما يدأب كلُّ شخصٍ على أن يُؤطّر هذه المبادئ في إطارٍ ثابتٍ لتبقى معه ردحاً طويلاً من الزمن، ولا يُزَحْزِحَه عنها شيء، ولكن قد تمرّ بالمرء أقدارٌ تجعلُ الثباتَ على المبادئ الراسخة تحدّياً حقيقياً، وأهمّها: الاغترابُ والسفر.

كثيراً ما نسمع عن أشخاصٍ تغيّروا بعد السفر أو الهجرة على الصعيدين السلبي والإيجابي؛ فبعضهم يستثمر فرصة السفر هذه لينمّي معارفَ وهواياتٍ لا تُتيحها له بيئته الأم، وبعضهم يخرج من منطقة راحته في بيئته السابقة بتحرّرٍ ظاهريٍّ يبتغي به التمرّدَ على العادات والتقاليد والجذور؛ تمرّدٍ لا يُفضي إلى تطوّرٍ على صعيد الذات، ولا إلى استغلالٍ نافعٍ للإمكانيات الحديثة المتاحة.

حين يرتحل الإنسانُ إلى مكانٍ آخر، سواءً بدافع العمل أو الدراسة أو حتى الهجرة، تبدأ الهويةُ بالتماس المباشر مع ثقافاتٍ جديدة قد تُبهره أو تُربك معتقداته؛ إذ يكون الإنسانُ نفسه أكثرَ انفتاحاً وصراحةً في السفر، فيخرج من دائرة مجتمعه التي كانت تُقيّده وتُخضعه لقوانينها وعاداتها، فيجد نفسه حُرّاً في ذاته وقراراته وأفعاله وعلاقاته بمن حوله، على عكس ما قد يكون عليه في مدينته أو موطنه.

وفي حالاتٍ مثل هذه يكون السبيلُ للحفاظ على جوهر الفرد هو الوعي، أن يعرف المرءُ من أين أتى، وما القيمُ التي تُشكّل منظومته الفكرية، وتلك هي الضمانةُ الأولى التي تُحصّنه أمام الذوبان في محيطٍ غريب؛ فالمبادئ هي الأساسُ الحصينُ الذي لا يجب أن يتهاوى، مفاهيمُ جوهرية مثل: الإيمان، والصدق، والأمانة، واحترام الآخر، والنزاهة… قيمٌ قد تختلف مظاهرها بين الشعوب، لكنها تظلّ ثوابت إنسانية، وحين يتمسّك بها المرء، يستطيع أن يفتح قلبه للثقافات الأخرى دون أن يفقد هويته.

فالانفتاح لا يعني التماهيَ في ثقافة الآخر، بل يعني أن نستلهم ما يُضيف لنا دون أن نتخلّى عمّا يُعرّفنا، فالمكانُ قد يتغيّر، لكنّ الإنسانَ الذي يصون جذوره يمشي في طرقات العالم وهو يحمل وطنه في قلبه.