الكتابة فعل مقاومة ضد المحو، إنها ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، وسيلة لنقول: "أنا هنا، أنا أرى، أنا أفكر"

كل نص هو طريقة لمواجهة الفناء، ولمحاولة تثبيت المعنى في عالمٍ يتغير باستمرار، عالمٍ يبدو فيه كل شيء عابرًا، وكل لحظة تتسرب من بين أيدينا كالرمال المتناثرة.

نكتب لأننا نعلم أن الحياة نفسها، بكل تعقيداتها، تقاوم البقاء، ووسط هذا الصراع، تصبح الكلمات الجسر الذي يعبر به الإنسان إلى ما هو أبقى، إلى المعنى الذي لا يزول.

نكتب لأن الذاكرة وحدها خائنة؛ هي أداة ضعيفة تُثقلها الأيام، وتنهشها التفاصيل الدقيقة التي تُنسى مع مرور الوقت، بينما الكلمات تظل حية في صفحات الورق، تحفظ ما يتسرب من بين الأصابع.

في الكتابة، نحاول الحفاظ على تلك اللحظات الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طياتها كل شيء عن إنسانيتنا، وعن صراعنا مع الزمن.

نكتب كي نحمي لحظاتنا من النسيان، نمنحها امتدادًا يتجاوز أعمارنا، فتظل تردد صدى وجودنا في الزمان والمكان.

نكتب لأن الصمت أحيانًا يصبح سجنًا، ولأننا لا نجد في الكلام المنطوق ما يفي بتعقيد أرواحنا؛ فالكلمات المنطوقة، رغم جموحها أحيانًا، لا تستطيع أن تعكس عمق التجربة الإنسانية.

أما في صمت الورق، فنجد فسحة للتأمل، حيث لا مكان للزيف، ولا للابتذال في الجمل، بل نجد انحناءة نحو الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة مجرد سؤال معلّق بلا جواب.

الكتابة تمنحنا هذه المساحة من الحرية؛ الحرية في إظهار ما في داخلنا دون أن نحتاج إلى تفسير أو تقويم من أحد.

نكتب لنتصالح مع جراحنا، لنعيد تشكيل ما كُسر في داخلنا.

الكتابة ليست فقط فعل كشف، بل فعل شفاء أيضًا؛ هي مرآة نضعها أمام وجوهنا لنرى ما نهرب منه، ما نخاف من مواجهته.

فيها نجد القدرة على النظر إلى داخلنا بصدق، على تقبل أنفسنا بما فيها من ضعف وألم.

إنها تحوّل الجراح إلى فن، والمعاناة إلى حروف، وهي أداة لتحويل العذاب إلى جمال، والضياع إلى اكتشاف.

ونكتب أخيرًا لأننا نريد أن نشارك الآخرين إنسانيتنا؛ فالنص المكتوب جسر بين روحين، قد يفصل بينهما زمن طويل أو مسافة بعيدة، لكنه مع ذلك يوصل نبض القلب إلى قلب آخر.

الكلمات التي تخرج من القلب تصل إلى القلوب الأخرى، حتى لو كانت هناك مسافات شاسعة بينها، فهي الصلة التي لا يمكن للزمن أو المسافة أن تمحوها؛ بل مساحة لنتبادل الأفكار والمشاعر، لتؤكد لنا أننا لسنا وحدنا في هذا الكون الواسع.

فضلاً عن كل هذا فهي ليست مجرد كلمات على ورق؛ إنما هي إعلان هادئ بأننا قاومنا العدم وتركنا أثرًا يدل على أننا مررنا من هنا.

لقد كسرنا حاجز الفراغ، وبنينا على هذا الفراغ كلمات، وصورًا، وأفكارًا، تجعل من هذا العالم مكانًا أكثر امتلاءً، وأكثر معنى.

لكن السؤال يبقى مفتوحًا: هل نكتب لننقذ ذاكرتنا نحن، أم لنمنح الآخرين ذاكرة عنّا؟

ربما هو سؤال يظل بلا جواب دائم، لكنه في كل مرة يكتب فيها قلمنا، نقترب قليلًا من الجواب!

وكل كلمة نكتبها تحمل جزءًا من الإجابة، وقد تكون هي نفسها جزءًا من السؤال الأبدي.