منذ أن وُجد الإنسان على وجه الأرض، وهو يتأرجح بين لحظات النور وظلمات العتمة، بين الرجاء واليأس، وبين السعي والتوقّف، وفي هذا المدّ والجزر، تتكوّن صور الحياة بكلّ ما تحمله من تحدّيات وانكسارات، غير أنّ الحقيقة الثابتة تبقى أنّ من رحم الألم يُولد الأمل، ومن تراكم الغيوم تنبثق شمس الحياة المشرقة.
إنّ الغيوم مهما تكاثفت، لا بدّ أن تنقشع في لحظةٍ ما، لتمنح الكون دفءَ الشمس وصفاءها، وهذه الحقيقة الكونية ليست سوى رمز عميق لمسيرة الإنسان، فردًا ومجتمعًا على السواء، إنّ التفكير السلبي الذي يغمر المجتمعات في أوقات المحن، كثيرًا ما يحجب عنها رؤية شمس الغد، فيظنّ الناس أنّ ليل الأزمات طويل لا فجر له، غير أنّ التجارب الإنسانية تُثبت أنّ الأزمات هي المنعطفات التي تهزّ النفوس لتستيقظ، وتدفع العقول إلى ابتكار مسارات جديدة للحياة، إنّ كلَّ شدّةٍ تحمل في داخلها بذرة الفرج، كما يحمل الليل في أحشائه موعود النهار.
حين تتجمّع الغيوم في السماء، قد يضيق صدر الإنسان بالظلمة والرطوبة والبرد، لكن ما لا يدركه الكثيرون أنّ هذه الغيوم تختزن المطر، وتُهيّئ الأرض للخصب، وتجعل الحياة ممكنة من جديد، وهكذا هي الابتلاءات التي تواجه المجتمعات والأفراد؛ فهي ليست سدودًا مطلقة، بل جسورًا لعبور الإنسان نحو وعيٍ أعلى وتجربةٍ أنضج.
فالنفس البشرية بطبعها تميل إلى الاستسلام لليأس عند مواجهة الشدائد، ولكن سرَّ القوة يَكمن في القدرة على النظر أبعد من اللحظة الراهنة، إلى ما وراء الغيوم، حيث يختبئ وجه الشمس، وهذا ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم؛ حيث عليها أن تبدأ بإعادة تشكيل نظرتها إلى التحدّيات، والانتقال من عقلية التذمّر إلى عقلية البناء، ومن ثقافة الشكوى إلى ثقافة المبادرة والعمل، لا يمكن الحديث عن شمسٍ تُشرق من بعد الغيوم دون أن نُشير إلى الموعود الذي بشّرت به السماء عبر الأنبياء والأوصياء: الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، الذي يُمثّل قمّة الأمل الإنساني، وخاتمة الحلم البشري بالعدالة والإنصاف، فظهوره الموعود يُعلّمنا أنّ الظلم مهما اشتدّ، والغيوم مهما اسودّت، فإنّ شمس الحق لا بدّ أن تُشرق لتملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا.
إنّ ذكر الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) ليس طقسًا شعائريًّا فحسب، بل هو شحذٌ للروح الإنسانية كي لا تستسلم لليأس، وتستحضر دائمًا أنّ العدالة القادمة ليست بعيدة المنال، فإذا كانت المجتمعات تعاني من فساد أو تراجع، فإنّ الانتظار الإيجابي يعني تهيئة النفوس عبر الإصلاح الفردي والاجتماعي، والاستعداد لاستقبال فجرٍ جديد يُعيد للإنسان كرامته، وللمجتمع نقاءه.
وإذا كانت الشمس رمزًا للحياة، فإنّ المرأة تمثّل في المجتمع شمسًا ثانية لا تقل إشراقًا، فهي التي تمنح الحياة معناها الأول عبر دورها كأم، لكنها لا تُختزل في هذا الدور وحده، بل هي قادرة على أن تكون شريكة في النهضة، ومؤثّرة في الفكر، ومبدعة في العمل، وصانعة للتغيير.
غير أنّ بعض المجتمعات تحاول تقييد المرأة بسلاسل العادات البالية، وتحجب عنها نور المشاركة الفاعلة، وكأنّها غيمٌ يحجب الشمس عن أن تضيء، لكن الحقيقة أنّ المرأة حين تُمنح الفرصة، تُثبت أنّها قادرة على تحويل الصعاب إلى إنجازات، وأنّها تحمل في داخلها طاقة هائلة على البناء.
على النساء اليوم أن يتجاوزن الأفكار السلبية التي تسجنهنّ في دوائر ضيّقة، وأن يتحرّرن من الصور النمطية التي تُكرّس الضعف والعجز، فالمرأة التي تُدرك قيمتها قادرة على أن تُغيّر محيطها، وتُسهم في إصلاح مجتمعها، وأن تكتب فجرًا جديدًا من فجر الإنسانية.
أما التفكير السلبي، فأشبه بسحابٍ كثيف يُظلّل العقول ويُعطّل الطاقات، بينما التفكير الإيجابي أشبه بأشعّة الشمس التي تُحفّز الحياة وتنمّيها، وكل فرد في المجتمع يملك الخيار بين أن يبقى أسير الغيوم، أو أن يسعى لكشفها بحثًا عن النور.
وهذا ما يصنع الفرق بين مجتمعٍ يراوح في مكانه، وآخر يخطو بثقة نحو المستقبل، فالتغيير الاجتماعي لا يبدأ من القوانين ولا من المؤسسات فحسب، بل يبدأ من الذات الإنسانية، فإذا تغيّر الفرد تغيّر المجتمع، وإذا نهضت المرأة نهضت العائلة بأكملها، وإذا تعلّم الشاب كيف يُحوّل إخفاقه إلى خبرة، صار المجتمع كلّه أغنى.
فالمجتمع الذي يملأ قلوب أفراده بالرجاء، ويُربّيهم على العمل والجدّ والإيجابية، لا يمكن أن يبقى أسيرًا للتراجع، إنّه مجتمع يخلق شمسًا داخل كل إنسان، ليصبح هو بدوره مصدر دفءٍ ونورٍ لمن حوله.
وعلى المرأة أن تُدرك أنّها شمسٌ في بيتها ومجتمعها، والرجل الذي يعي مسؤوليته في البناء لا في الهدم، كلّ هؤلاء يُمهّدون الطريق لشمس العدالة الكبرى، حيث يتحقّق وعد السماء بظهور الإمام المنتظر (عجل الله فرجه).
الحديث عن الأمل ليس مجرّد خطاب عاطفي، بل هو منهج حياة، فالمستقبل ملكٌ لأولئك الذين يُدركون أنّ الغيوم مهما تراكمت، ليست نهاية الطريق، بل بداية لشمسٍ أعظم تُشرق في الأفق.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري