سمعتُ من والدتي رحمها الله أن الأم تحب الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود، وهذا لا يعني التفرقة بين الأبناء، "كلهم أولادي" كما يصرّح الآباء والأمهات الذين يستشهدون بقول الشاعر حطان بن المعلى:

"وإنما أولادُنا بيننا أكبادُنا تمشي على الأرضِ".

ومع ذلك نسمع أحياناً شكاوى متعدّدة بطلها الابن الأوسط في العائلة، وتتركّز هذه الشكاوى غالباً في العوائل الكبيرة التي لديها عدد أكبر من الأبناء، حيث يشعر الابن الأوسط بالغبن والظلم، وبأنه لا يحظى بالاهتمام الكافي من والديه، خلافاً لشقيقيه الأكبر أو الأصغر، وقد غاب عنّا أن ما يشعر به الابن الأوسط كان محور العديد من الكتب، والدراسات، والبحوث التي طرحت نظريات وأفكاراً خاصة بهذا الموضوع، والذي يُطلق عليه اسم "متلازمة الابن الأوسط".

تستند هذه النظرية إلى فكرة أن هؤلاء الأطفال يُتجاهلون، أو يُهملون أحياناً بسبب ترتيب ولادتهم، إذ لا يتمتّع الطفل الثاني، أو الأوسط بدور واضح في الأسرة؛ فهو لا يشبه الطفل الأول الذي يحظى بحصّة الأسد من الامتيازات والمسؤوليات بحكم كونه الأكبر سناً، ولا يحظى بدلال الطفل الأصغر آخر العنقود، مما يسبّب لهم مشاكل نفسية متعدّدة.

كما سعى الباحثون إلى فهم ما إذا كانت هناك صلة بين ترتيب الولادة والشخصية، ووجدوا أن ما نسمعه عن مظلومية الطفل الأوسط قد يعود عليه بالنفع، إذ يساهم في تطوير شخصيته وتنمية قدراته ومهاراته العقلية، لذلك نجد فيه سمات مثل الصدق، والتواضع، واللطف، والذكاء، التي قد تكون أعلى بدرجة ما لدى أولئك الذين لديهم أشقاء أكثر.

 

وطالما أظهرت أفلام الرسوم المتحركة المقتبسة عن القصص والأدبيات الأجنبية الأخت الوسطى كبطلة متميزة، تفوق في ذكائها الأخت الكبرى المتعالية والصغرى المدللة، وتُضاف إليها صفات تجعلها بطلة مناسبة لتلك الأفلام.

كبرنا وعرفنا أن الأولاد قطعة من قلب الأم، فهي تُغرقهم جميعاً بمشاعر الحب والحنان، لكن لكل ابن خصوصية في التعامل، لذلك تتباين شخصياتهم، والآباء والأمهات بصورة عامة يميّزون الولد المؤدب الخلوق المطيع الذي يسمع نصائحهم ويحسّ بآلامهم ومعاناتهم، ومن هنا يكون هناك دائماً فرق بين الحب والتمييز.