في زمنٍ تتشابك فيه الأصوات وتتقاطع فيه القيم، يعيش الطفل وسط سيلٍ من المؤثرات التي تحاول تشكيل وعيه وسلوكه من دون أن تستأذن بيتَه أو أسرته، لم تعد القنوات التربوية محصورة في البيت والمدرسة، بل صارت تمتد إلى الشاشة الصغيرة التي يحملها في كفّه، حيث يتلقى منها ما يعجز الكبار عن مراقبته أو تصحيحه، وفي هذا الواقع المزدحم، تتجلى القدوة كصوتٍ صامتٍ لكنه أبلغ من كل الكلمات.
الطفل لا يتربّى بما يسمع فحسب، بل بما يرى.
حين يرى والده يحترم المواعيد، يتعلّم قيمة الوقت.
وحين تراه الأم تضبط انفعالها أمام موقفٍ غاضب، يتعلّم الطفل أن الغضب يُدار ولا يُنفجر.
وحين يلحظ الطالب معلمه يعترف بخطئه، يتعلّم أن الاعتراف فضيلة لا ضعف.
كل تصرف صغير يرسّخ في ذاكرة الطفل معنىً كبيرًا، فالأخلاق لا تُلقَّن، بل تُعاش.
إننا نعيش اليوم عصر الصورة، حيث يلتقط الطفل المشهد قبل الكلمة، ويترجم الإيماءة قبل الجملة، لذلك لم تعد النصائح الطويلة ذات أثرٍ يُذكر ما لم تُترجم إلى سلوكٍ يراه بعينه، وهنا يكمن جوهر التربية بالقدوة: أن يتحوّل المربي من “واعظ” إلى “نموذج”، ومن “موجّه” إلى “ملهم”.
ولعلّ من أعظم صور القدوة ما جسّده الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) في سيرهم، إذ كانت أفعالهم مرآةً لما دعوا إليه، فالنبيّ الأكرم (صل الله عليه وآله) لم يربِّ أمةً بالمواعظ فقط، بل كان هو الموعظة الحيّة التي تمشي على الأرض.
اليوم، وبين كل هذا الصخب الرقمي، يحتاج الجيل الصاعد إلى من يريه الجمال في بساطته، والخلق في تفاصيل الحياة اليومية، لا يحتاج إلى مواعظ كثيرة، بل إلى نموذج واحد صادق يعيش أمامه بصدق.
إن التربية بالقدوة ليست مشروعًا يوميًّا، بل مسار عمرٍ يثبت فيه المربي أنه النموذج الأجمل لما يريد أن يراه في الجيل القادم، فليكن كلٌّ منّا ما نودّ أن نُخرِج إلى العالم: إنسانًا صادقًا، متوازنًا، يؤمن أن الأثر الحقيقي يبدأ من الداخل، ثم ينعكس نورًا على من حوله.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري