زمان، وفي أيام تُسمى "أيام البساطة والخير"، حينما كانت كل الأشياء متوفرة بشكل رخيص وتؤدي غرضها بصورة جميلة ومريحة، كانت أغلب العوائل تمتلك الأجهزة المتواضعة المصنوعة من مواد بسيطة، تنجز غرضها المنشود بكل دقة وانسيابية.

ومن منطلق الفلكلور والتراث العراقي الأصيل، ومن الأدوات القديمة التي كان أجدادنا يستخدمونها برضا وقبول، والمتوفرة في تلك الحقبة من الزمان، ارتأينا أن نستذكر واحدة من الأدوات البيتية التي تواجدت في كل بيت عراقي، وكانت أشبه بالحاجة الضرورية والقيمة:

الثلاجة الخشبية، وهي جهاز غير كهربائي، مصنوعة من الخشب بتقنية بسيطة تفي بالغرض المنشود.

فحينما خرجت للعلن وصارت مطلبًا في البيوت، جلبها أبي لنا بسعر خيالي لا أتذكره، فرحت أمي بها، ووضعتها في مكان لائق، وصارت أهم حاجة متوفرة في الصيف اللاهب، وكنا نتباهى بوجودها صغارًا وكبارًا.

وهي عبارة عن صندوق خشبي كبير، مغلّف من الداخل بمادة "الجينكو" (وهي شرائح حديدية رقيقة)، يوضع معها صندوق محكم من نفس المادة يُملأ بالماء، ويوضع فوقه بعض الثلج، ليبرد الماء الذي بداخله، وليشرب أهل البيت ماءً باردًا.

كان أبي يجلب لنا الثلج - قالب أو نصف أو ربع قالب - من أكشاك مخصصة لجلب الثلج من المصنع وبيعه للمواطنين حسب حاجتهم وكنا نقوم باختيار قالب الثلج الممتلئ وعالي الكثافة، ونتجنب الذي يكون فارغًا من وسطه لأنه سريع الذوبان.

 

ولكي نُقلّل من سرعة ذوبانه، ونحافظ عليه مدة أطول، كنا نلفّه بقطعة من الجنفاص (الكونية)، إذ يبقى الثلج محافظًا على نوعيته إلى اليوم التالي.

توضع في حوض الثلاجة اللحوم والخضروات الطازجة التي تُجلب من السوق، والفواكه الصيفية الرائعة المذاق، وتصبح باردة بعد وقت قليل، لأن قالب الثلج يسكب ماءه على الحوض المتواجد أسفل الصندوق المعدني، وبهذا نحصل بفرح وبهجة، على أطعمة باردة وغير فاسدة، ونشرب ماءً صافيًا باردًا خاليًا من الغازات والطعم غير المرغوب فيه كما نلاحظه الآن في الثلاجات الكهربائية الحديثة، التي غالبًا ما تُفرز روائح غير محببة بلا طعم.

كان أهلنا يملؤون حوض الماء داخل الصندوق بالماء الذي يأتي من حنفية البيت، حيث كان الماء في وقتها نظيفًا وصافيًا، كما كانوا يحتفظون بالخضروات واللحوم داخله لتبقى طازجة، خصوصًا "الرقي" و"البطيخ"، اللذَين كنا نأكلهما باردَين مع وجبة الغداء.

كذلك كنا نحتفظ بالمشروبات الغازية مثل البيبسي، الكوكاكولا، المشن، والسبرايت، التي كنا نشربها باردة بعد إخراجها من الصندوق، وكنا نتناول الفاكهة مثل العنب، والمشمش، والتفاح الأخضر ذو الحجم الصغير الذي كان متوفرًا آنذاك.

كنا نشعر بسعادة وفرحة غامرة لا تُعوّضها الأيام الآن، معيشة بسيطة وجذابة، وغير مكلفة، وفيها طَعم البساطة والمحبة، وقبول العائلة بكل شيء في تلك الحياة المليئة بغزارة المعنى والعيش الهادئ، دون أي معاناة من حرارة الأجواء.

كل الوسائل كانت سهلة وواضحة دون تعقيد، وأفراد الأسرة يتمتعون بجوّ عائلي خفيف يهوّن عليهم كل الصعوبات.

وكم ارتشفنا من ماء الثلاجة الخشبية العذب، كانت تمنحنا الماء البارد بزُهد تركيبتها ومحدودية عملها، لذا لا زلنا نستذكرها ونقدّم لها كلمات العرفان، حينما كانت تخلق في بيوتنا أجواء من الراحة والعذوبة والسلاسة في تخطّي فصل الصيف، مع بعض الأدوات المنزلية المتوفرة يومها.

 

فمن منكم يتذكر هذا الصندوق الخشبي؟

وهل أحد منكم كان أهله يمتلكونه؟

إنه جميل... رائع... بسيط... ومتَعافٍ.

إنها ذكريات جميلة جدًّا، رغم بساطتها وتكلفتها الواطئة، إلا أننا كنا نشعر بسعادة لا مثيل لها، ونحن نعيش هذا الواقع بشكل عفوي وسلس، وفيه بعض الأسى على الأيام الجميلة، التي لا زالت تحفر في الذاكرة مجدَ الأيام وغزارةَ المعنى.