في رحاب اليوم العالمي للسياحة، تقف كربلاء شامخة كظاهرة فريدة لا تشبه أي مدينة في العالم، فهي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي نبض الأحرار وقبلة القلوب التي تهوي إليها الأفئدة من كل حدبٍ وصوب، وفي هذه المناسبة التقت "للقوارير" بالأستاذ عبد الأمير المطوري، رئيس قسم العلاقات العامة في العتبة الحسينية المقدسة، لنغوص في أعماق هذه التجربة العالمية الاستثنائية التي حولت المدينة إلى وجهة تتجاوز حدود الجغرافيا والمذاهب.
أستاذ عبد الأمير، كربلاء اليوم لم تعد مجرد وجهة دينية، بل تحولت إلى مدينة عالمية تستقطب الملايين.. كيف تصفون هذا التحول النوعي في مكانة المدينة؟
كربلاء حقيقةً، بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، كانت في مسار، وأصبحت بعد هذه التضحية الخالدة في مسارٍ آخر تماماً، لقد خرجنا من المحلية إلى الإقليمية، وصولاً إلى العالمية، اليوم كربلاء يقصدها سنوياً ما بين سبعين إلى مئة مليون زائر من كافة الأديان والطوائف والقوميات، لأن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن إماماً لفئة بعينها، بل كان إماماً للإنسانية جمعاء، لذلك صار ضريحه قبلةً للأحرار، وقد تجاوزت أعداد زوار مدينة كربلاء أعداد زوار كبرى العواصم العالمية، لتصبح المدينة اليوم رقماً صعباً في معادلة السياحة العالمية، وملاذاً آمناً لكل الباحثين عن الطهر والكرامة.
لقد شهدت المدينة مؤخراً زيارة الأربعين المليونية، وهي حدث يتكرر كل عام.. كيف تقرؤون هذا الحدث بعد أن أسدل الستار على أيامه الأخيرة؟
إن زيارة الأربعين كانت، وستبقى، ظاهرةً إنسانيةً كونية لا يمكن تكرارها في أي بقعة على وجه الأرض، هي ليست مجرد شعيرة تُقام، بل هي بمثابة مؤتمرٌ سنوي وتجمع للقيم السامية، ولقد رأينا فيها مختلف الطوائف مثل الشيعي والسني، والمسيحي والصابئي، وأبناء مختلف القوميات والأديان، جميعهم انصهروا في بوتقة حب الحسين (عليه السلام)، وهي الزيارة التي أجبرت العالم على الانحناء احتراماً، حيث نرى الملايين تزحف بقلوبٍ عامرة بالحب، متجاوزةً كل التحديات، لقد كانت هذه الزيارة التي انقضت قبل أيام دليلاً إضافياً على أن كربلاء هي بوصلة الأحرار، وأنها المكان الذي تتلاشى فيه الفوارق بين البشر، ليحل محلها الإيثار والعطاء الذي لا حدود له.
ما هو دور العتبة الحسينية المقدسة في تعزيز هذا الحضور العالمي؟
بلا شك، العتبة الحسينية المقدسة –ومعها العباسية– كان لها أثر واضح في هذا التطور، من خلال مشاريع علمية وصحية وخدمية وإنسانية كبرى. نحن نعمل على إظهار المدينة بالمستوى الذي يليق بمكانتها كمدينة للشهادة والفداء، ولقد تكاملنا مع الإدارة المحلية لتأهيل البنى التحتية، من جامعات ومراكز متخصصة في التوحد ومدن للزائرين، كل ذلك لنكون سفراء لهذه الرسالة السامية، ولنؤكد أننا حريصون على تقديم صورة مشرقة تليق باسم الإمام الحسين (عليه السلام).
عرجتم على المشاريع الصحية.. هل هناك توجه وسعي لجعل مدينة كربلاء وجهة رائدة للسياحة الطبية؟
هذا صحيح تماماً، نحن نسعى لجعل كربلاء وجهةً للسياحة الطبية، لدينا اليوم أكثر من سبع مستشفيات، ومنها مؤسسة وارث الدولية للأورام، وهي مؤسسة نعتبرها عالمية في خدماتها، وما يميز هذه المشاريع ليس فقط التطور التقني، بل البعد الإنساني؛ فالعلاجات السرطانية للأطفال دون سن الخامسة عشرة تُقدم مجاناً بالكامل، لقد استقبلنا حالات من سوريا ولبنان واليمن ومن مختلف الطوائف، دون تساؤل عن هوية المريض أو مذهبه، قصص نجاح هؤلاء المرضى، ومن بينهم أطفال من طوائف كريمة كالإيزيدية، هي خير دليل على أن رسالتنا هي رسالة رحمة عالمية، بالإضافة إلى تفوق وريادة هذه المستشفيات وحصولها على شهادات اعتماد عالمية مما يجعلها وجهة للسياحة الطبية، كما يوجد أيضاً توجه إن شاء الله بافتتاح مستشفيين جديدين في الأيام القادمة.
في ختام حوارنا، ما هو الطموح الذي تصبو إليه العتبة الحسينية في خدمة الإنسان؟
نحن نسعى لأن نكون سفراء لهذا النهج العظيم، ونقدم الشيء الذي يبيض وجه المذهب والإنسانية أمام العالم، كل ما نقدمه من مشاريع هو قطرة في بحر ما يستحقه الإنسان العراقي وزوار الإمام الحسين (عليه السلام)، نحن نؤمن بأن بناء الإنسان والحفاظ على كرامته هو جوهر رسالتنا؛ فكربلاء ستظل مدينةً عالميةً تفتح أبوابها وقلبها للجميع، وتعلن بكل فخر أنها وطنٌ للرحمة والإيثار، ونأمل أن تتوسع هذه المشاريع لتشمل شرائح أكثر، لتبقى كربلاء مناراً عالمياً يهتدي به القاصي والداني.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري