في خضمّ بحرٍ متلاطم من التأوهات والمفارقات التي غزت عالمنا المعاصر، يجد الإنسان نفسه مستغرقاً في تفاصيل واقعٍ مأزوم، حيث غرق فكر الكثير من الشباب في لُجٍّ من المعتقدات الوافدة والعادات الدخيلة،

 لقد تاهت مبادئ الشباب في تيهان هذه الحياة ومتاهاتها، حتى بات البعض ينعقون مع كل ناعق، مسلوبي الإرادة، من غير أن يميّزوا بعقولهم أو يستدلوا بنور الوعي والبصيرة ولكن، ورغم هذا الضياع العاصف، نعود بأدراجنا بلهفة وأمل إلى الحقيقة الأزلية؛ حقيقة "الشباب الحسيني الواعي" لنستلهم منه أسمى المبادئ، وأنقى القيم، وأرفع المعارف،ففي محطات هذه الحياة الممتدة، لابد للإنسان الصادق من وقفة حتمية يراجع فيها المحطات التي عبرها، يقف عندها ليفهم الدرس البليغ ويعبر منها نحو شاطئ النجاة.

واليوم، نقف بكل إجلال عند محطةٍ استثنائية؛ محطة علي الأكبر ابن الإمام الحسين (عليه السلام)، ذلك الشاب الفذ الذي تميز بميزاتٍ عظيمة، فغدا المثل الأعلى والقدوة الشامخة التي يجب أن يقتدي بها كل شاب حسيني ينهج نهج الحسين (عليه السلام) ويسير على خطى الأحرار.

تتجلى في سماء الطفوف مواقفُ بشريةٌ تتدثر بالجلال الإلهي، وتصاغ من نور النبوة وعمق الإمامة، كالتي طالما أخذنا إليها عميد المنبر الحسيني، الشيخ الدكتور أحمد الوائلي، في محاضراته القيمة، ويمتد هذا المشهد بالقول العظيم لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام) بحق ولده علي الأكبر حين قال: «اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس بنبيك خلقاً وخَلقاً ومنطقاً، وكنا إذا اشتقنا لرؤية نبيك نظرنا إلى وجهه». ومن هذا المنطلق بالذات، ندرك أن قول الإمام في حق ولده لم يكن نابعاً من منطق العاطفة الأبوية المحضة، وإنما هي شهادة حق تمثل إرادة الله ورسوله، ولذلك نلاحظ أن علي الأكبر تميز بمزايا وقف التاريخ يثبتها له بكل جلال، من ناحية الآداب، الحياء، الكرم، والشجاعة.

 

ثم يكمل عميد المنبر ليوضح صفات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويربطها بمزايا علي الأكبر وعمق امتداده لجده؛ فيذكر أن الإمام علي (عليه السلام) كان يقول: «كنا إذا جد بنا الجد لوذنا برسول الله»، واصفاً شجاعته بأنه كان ينتفض كما ينتفض الصِّلّ في البأس والجسارة، وفي كرمه، كان رسول الله يبارز السحاب المرسلة جوداً وعطاءً، وعلى هذا الخط الامتدادي الشريف كان علي الأكبر يطلب الليالي الظلماء ليوقد بها نار القرى ويطعم الطعام هدايةً وقرى للنازلين. ولأن رسول الله كان دمث الأخلاق، يملأ وجهه نفوس الناس بالغبطة والسرور، فقد كان علي الأكبر يحمل هذه الخواص ذاتها بذلك الوجه المشرق الطافح بالرحمة والوداعة والمودة، فإذا تكلم كأنه يفرغ عن منطق رسول الله المنساب عذوبةً وحكمة، يسانده ذلك الإيمان المطلق بالله.

هذا الإيمان يتطابق تماماً مع ما كان يقوله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمه أبي طالب: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذه الدعوة ما فعلت»، ومن منطلق الثبات الرسالي هذا، نقف بإجلال على قول علي الأكبر عندما كان الإمام الحسين (عليه السلام) يسير في طريقه إلى الطف فاسترجع وقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فقال له علي الأكبر: «فداك روحي يا ابن رسول الله، فأراك استرجعت، ما الأمر؟»، فقال الحسين: «رأيت هاتفاً يقول القوم يسيرون والمنايا تسير بهم إلى الجنة، فعلمت أنها أنفسنا نُعيت إلينا»، فما كان من الأكبر إلا أن سأل بيقين وثبات: «يا ابن رسول الله، أولسنا على الحق؟»، فأجابه الإمام (عليه السلام): «بلى والذي إليه مرجع العباد»، ليعلن علي الأكبر كلمته الخالدة: «يا أبتِ، إذن لا نبالي أن نموت محقين»، فاحتضنه الحسين بقوة وأدناه إليه إعجاباً وفخراً.

بالجملة، لقد كان علي الأكبر عبارة عن نموذج حي ومثالي من أجواء التربية الطاهرة التي أرادها الرسول الأكرم لأهل بيته وللأمة، ولأجل هذا الكل المتكامل من النبوة والإمامة المتجسد فيه، أخذ مصرع علي الأكبر من قلب الحسين مأخذاً عميقاً وفاجعاً لم يأخذه مصرع قط في طف كربلاء.