لم تكن واقعة كربلاء مجرد حدث تاريخي يمر مرور الكرام في صفحات التاريخ، بل هي نهضة إصلاحية قام بها حفيد رسول الله، الحسين بن علي (عليه السلام)، ضد الباطل ونصرةً للحق والعدل، مما جعلها محط أنظار العالم بأسره، فعلى الرغم من اعتقاد الفئة الباغية أن بقتل الحسين وآل بيته سيتم طمس الحقيقة وإخفاؤها مدى الحياة، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل، فهناك من أخذ على عاتقه نقل ما جرى في أرض كربلاء وإفهام الناس بمظلومية الحسين التي نُسجت الأكاذيب بشأنها.
نعم، إنهما زينب وزين العابدين (عليهما السلام)، إعلاميّا القضية وحاملا لوائها، لذا، لفهم ما يراه الناس اليوم من دعم جماهيري كبير للقضية، يجب العودة إلى أحداث ما بعد المعركة، حيث بدأت المعركة الحقيقية، وهي الحفاظ على نهج وفكر الحسين، وتوعية الناس بأهمية العدل والمساواة والدفاع عن الحق ضد الظلم والجور
السيدة زينب (عليها السلام): صوت الحقيقة
برزت السيدة زينب (عليها السلام) بعد واقعة كربلاء بوصفها الإعلامية الأولى لقافلة السبايا، فقد واجهت السلطة الأموية بكل شجاعة وبسالة، لا بالسيف بل بالكلمة، التي كانت كفيلة بقلب الأعداء إلى أنصار، ولا سيما الذين خُدعوا من قبل السلطة الأموية، حيث بيّنت لهم حجم الجريمة التي ارتُكبت بحق سبط رسول الله (صل الله عليه وآله)، فكلماتها كانت نورًا أيقظ الضمائر النائمة.
لم يكن تأثيرها محصورًا في عامة الشعب، بل وصل إلى مراكز السلطة والقرار، فوقفت بكل ثبات وقوة أمام عبيد الله بن زياد، فضلًا عن وقوفها في مجلس يزيد بن معاوية، رافضةً الخضوع والاستسلام، مبينةً أن الحسين لم ينتهِ بانتهاء الجسد، وأن دمه الطاهر لم يذهب هباءً، بل تحول إلى رسالة خالدة حُفرت في القلوب قبل العقول.
لقد استطاعت زينب (عليها السلام) أن تبيّن زيف الدعاية الأموية، فقلبت مجلس النصر الأموي إلى محكمة تاريخية أدانت الظلم وكشفت حقيقتهم المخزية
.
الإمام زين العابدين وصناعة الوعي
إلى جانب المشهد والدور البطولي الذي قامت به السيدة زينب (عليها السلام)، برز الإمام زين العابدين (عليه السلام) شاهدًا على هذه المأساة التي طالت أهل البيت.
عُرف الإمام بقوة منطقه وحجته، فاتخذ أسلوبًا مميزًا جعل أعداءه صامتين غير قادرين على مجابهته. فأخذ يعرّف بنفسه وبنسبه الشريف وحقيقة أهل البيت، فبيّن أن الأسرى والشهداء الذين يشاهدهم الناس ويقذفونهم بأبشع الكلمات ما هم إلا أبناء وأحفاد رسول الله (صل الله عليه وآله)، وليسوا كما صورتهم الدعاية الأموية.
وعلى الرغم من الحالة الصحية التي كان يمر بها الإمام، والتي لم تكن بأفضل حال، إلا أنه وقف بقوة وفصاحة لا مثيل لهما، فمن تعريفه بنسبه الشريف إلى خطبته التي هزّت المسجد الأموي في دمشق، والتي كانت بمثابة بيان رسمي أعاد بناء الصورة الحقيقية لأهل البيت، لا الصورة المزيفة، فأسقط الأقنعة وجعل بني أمية محط ازدراء ونقمة لدى كثير من الناس
نجاح الدور الإعلامي
في الحقيقة، إن ما قامت به السيدة زينب والإمام زين العابدين (عليهما السلام) كان نجاحًا تاريخيًا عجزت عنه الجيوش، فقد ساهما في حفظ أهداف القضية الحسينية بالكلمة لا بالسيف، وأكدا أن الكلمة قد تكون أكثر تأثيرًا من القوة العسكرية، فأوصلا صوت المظلوم إلى الأجيال اللاحقة، وأسسّا لثقافة الوعي والمقاومة في مواجهة الظلم.
فلولا هذا الدور الإعلامي الاستثنائي والمبهر، لبقيت كربلاء مجرد معركة تاريخية تحيط بها الأكاذيب الأموية، لكن الكلمة الصادقة والواعية حولتها إلى قضية إنسانية راسخة يقتدي بها الملايين.
وفي الختام يمكننا القول أنه لا بد لنا أن نقتدي بهاتين الشخصيتين العظيمتين اللتين أكدتا أهمية الإعلام في نقل القضايا وتوعية المجتمع، فحين انتصر السيف في معركة كربلاء لساعات، بقيت الكلمة منتصرة لعقود وقرون، خالدة وعصية على التحريف والزوال .
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري