في عتمة الليل، حين تسكن الأصوات ويغفو العالم، تنبض الحياة في زوايا الهواتف المضيئة وغرفٍ يلفّها السكون، هناك، يختار الكثيرون أن يؤجلوا موعد نومهم، لا لشيء إلا ليختلسوا من الزمن لحظاتٍ لأنفسهم، بعيدًا عن ضجيج النهار وضغوط العمل والعائلة، يجلس الواحد منهم أمام شاشة صغيرة، يتنقّل بين مقاطع وصور وأحاديث لا تنتهي، كأنما ينتقم من ساعات النهار التي سُرقت منه دون استئذان.

هذه الحالة، التي أطلق عليها علماء النفس اسم "تأجيل النوم انتقامًا"، ليست مجرّد عادةٍ سيئة أو ضعف إرادة، بل انعكاسٌ خفيّ لشعورٍ عميق بفقدان السيطرة على الوقت، فحين تُستنزف ساعات النهار في تلبية مطالب الآخرين، يجد الإنسان في سهره المتعمّد محاولةً لاسترداد ذاته، ليشعر – ولو لوهلة – أنه يملك قراره، حتى وإن كان ذلك القرار على حساب راحته وصحّته.

تأجيل النوم انتقامًا، عندما نسمع به للوهلة الأولى، يبدو مجرد نزوة ليلية أو عادة غير منضبطة يفعلها الفرد بدافع التسلية أو الإدمان الرقمي، لكنه، حين ننظر إليه بعمقٍ نفسي واجتماعي، يتحول إلى مرآة تكشف أزمة الإنسان مع الوقت، ومع ذاته التي يُدفع للتخلي عنها طوال النهار، وما نراه من ساعات السهر المتعمد ليس مجرد تأخير للنوم، بل هو إعلان صامت عن رغبة في استعادة السيطرة على حياة تُدار غالبًا من خارج إرادتنا.

في النهار، يتخبط الفرد وسط توقعات وأوامر ومطالب متلاحقة: العامل الذي يقضي يومه مرهقًا تحت ضغط المؤسسة، والطالب الذي يحاصر وقته الواجب، والوالدة التي تتحول ساعاتها إلى إكمال مهام بيتها وواجباتها الأسرية، الجميع يشتركون في شعورٍ واحد: الوقت ليس ملكًا لهم، هنا يحدث الانفصال بين الشخص وزمنه، فيصبح النهار فضاءً يستهلك طاقته دون أن يمنحه شيئًا لنفسه، ومع غروب الشمس وصمت المسؤوليات، تظهر الرغبة المكبوتة في استعادة ما ضاع.

 

هذه الرغبة لا تأتي في شكل أعمال نافعة دائمًا، ولا في محاولات تطوير الذات، بل غالبًا تتجلى في أبسط وأقل الخيارات كلفةً: الجلوس أمام شاشة هاتف، التنقّل بين الفيديوهات، متابعة محادثات عابرة، فتح نافذة صغيرة على عالم يستجيب لنا بلا أوامر، يبدو هذا السلوك نوعًا من الاسترخاء، لكنه في جوهره توقٌ إلى امتلاك شيء من الوقت بلا شروط، ولهذا أطلق عليه علماء النفس هذا الاسم، لأن الفرد يشعر داخليًا بأنه يثأر لنفسه من نهارٍ صادره، وكأن السهر استعادة لحقٍ مسلوب.

غير أنّ هذا الانتقام يضرب صاحبه نفسه، فكأنه المنتصر والخاسر معًا، الجسد يدفع الثمن، ويبدأ يومًا جديدًا أقل قدرة على التحمل، فتقل الإنتاجية، ويتزايد الشعور بالعجز، ما يعود ليغذّي حلقة الإحباط من جديد، حين يفقد الإنسان نومه، يفقد بدوره القدرة على امتلاك نهاره، فيستمر شعوره بأنه مجرد تابع للوقت لا مالك له، مما يعمّق الرغبة في الانتقام منه ليلًا، إنها حلقة أشبه بمعاقبة الذات دفاعًا عنها.

وإذا تناولنا الظاهرة من زاوية أعمق، بدت كصرخة غير منطوقة ضد قسوة الزمن، ففي عالمٍ يقاس فيه الإنسان بما ينجز لا بما يشعر به، يصبح النوم آخر ما يُضحّى به لإنقاذ لحظة حرّة، والسؤال الذي يتردد في أذهاننا: لماذا يهرب الإنسان إلى الليل كي يشعر بأنه حي لنفسه؟

ربما لأن النهار لا يمنحه مساحة تخص روحه، فيلجأ إلى الليل باعتباره الوقت الوحيد الذي يستمتع فيه، ولو بثمن باهظ، ذلك الوقت الذي يختزل فكرة أن الزمن يمكن أن يكون ملكًا له.

هنا يصبح علاج الظاهرة ليس بالنوم المبكر فقط، بل ببناء حياة تمنح ساعاتٍ لا تلتهمها الواجبات، ووقتًا يُقاس بالشعور، لا بالإنجاز وحده، حينذاك لن يكون الليل ساحة للانتقام فحسب، بل فسحة للراحة، عندما يصبح النهار بدوره فسحة للإنسان أيضًا.