يمثّلُ السرد القصصي دورًا محوريًا في تعليم الأطفال القيم الأخلاقيّة وغرسها في نفوسهم منذ الصغر، فهو لا يقتصر على كونه وسيلة للترفيه، بل يتحوّل إلى أداة تربوية فعّالة توصل الدروس الأخلاقية بأسلوب مشوّق وملموس، فتشكّل قصة (وصايا جدي) أنموذجًا حيًّا للسرد القصصي الذي يربط بين الحدث الواقعي والقيم الأخلاقية، إذ يقدّم الطفل من خلالها مواقف عمليّة تعلمه الأمانة، والكرم، والإحسان، والبسمة الطيبة، وغيرها من الصفات الإنسانيّة، ويعزز إدراكه لأثر هذه القيم في حياته اليومية ومحيطه الاجتماعي.

     وقد تضمّنت القصّة العديد من القيم الأخلاقيّة، منها قوله: ((حكى لي جدي عن رجل مشهور بالسرقة، سرق دجاجة امرأة فقيرة من بني إسرائيل وقام بنتف ريشها، منذ ذلك اليوم، علمني جدي أن الابتعاد عن الظلم والسرقة ومعاملة الناس بعدل وأمانة من أهم صفات المؤمن))، تبدأ القصة بسرد موقف قصصي واقعي، إذ يحكي الجد تجربة رجل مشهور بالسرقة، الذي سرق دجاجة امرأة فقيرة، هذا السرد يُعدُّ تقنية فعالة في أدب الأطفال، إذ يجعل الدرس الأخلاقي مترابطًا بالحدث وليس مجرد قول نظري، فالطفل المتلقي يترقب تداعيات الموقف، وبهذه الطريقة يتم تعزيز الانتباه والتفاعل النفسي، ما يزيد من فرص ترسيخ الدرس الأخلاقي، والابتعاد عن الظلم والسرقة، ومعاملة الناس بعدل وأمانة، وهذا يربط السرد مباشرة بالقيمة الأخلاقيّة، إذ يُحوّل الموقف إلى قيمة قابلة للتطبيق عمليًّا، وليست مجرد نصيحة كلامية، فالطفل لا يتلقى مجرد قاعدة أخلاقية، بل يرى مثالًا يوضح العواقب ويحفّز على اتباع السلوك الصحيح.

  وتتجلّى القيمة الأخلاقيّة الأخرى في قوله: ((علمني جدي أن أبتسم للآخرين دائمًا… البسمة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، والإحسان إلى الآخرين صدقة، وجبر الخواطر صدقة))، نلاحظ في هذا الموضع التوجيه المباشر من الجد للطفل، إذ يُعلّمه أهمية الابتسامة اليومية كقيمة أخلاقية بسيطة لكنها فعالة، فالسرد القصصي يعمل كأداة تربوية قوية، إذ لا يكتفي بإخبار الطفل بأن يكون حسن الخلق، بل يربط السلوك بالأفعال اليومية القابلة للتطبيق، مثل الابتسامة والكلمة الطيبة والإحسان، وإنّ دور الجد كمرشد أخلاقي في هذه القصة عزّز من مصداقية الرسالة، وجعل الطفل يشعر بأنّ القيم الإنسانية جزء من الحياة اليومية وليست مجرد فكرة نظرية، وهذا التوجيه المباشر يدمج بين التجربة الشخصية والسرد القصصي، مما يزيد من فعالية التعلم لدى الطفل، فضلاً عن التكرار لكلمة (صدقة) أربع مرات الذي عزّز من ترسيخ المعلومة في ذهن الطفل وجعلها أكثر قابلية للتذكر، وربط كل فعل بسيط بالثواب (الصدقة) يوضح الأثر الروحي والأخلاقي للسلوكيات اليومية الصغيرة، ما يحفز الطفل على الممارسة العملية له.

  وتتضح قيمة المروءة جليّة في هذه القصّة في قوله: ((ذكر لي موقفًا في البادية… قدموا لهما ماءً وعندما ارتويا ذبحا لهما شاة وحيدة كانا يملكانها))، قدّم الجد في هذا الموضع موقفًا واقعيًا من حياة البادية، إذ قدّم أهل الموقف الماء للضيفين وعندما ارتويا ذبحا لهما الشاة الوحيدة التي يملكونها، وهو ما يوضح بجلاء كيف يمكن للقيم الأخلاقية أن تتجسد في أفعال ملموسة، وهذا النوع من السرد يجعل الطفل يعيش الحدث عاطفيًا وعقليًا، ويستوعب أنّ الكرم والمروءة لا يرتبطان بالثراء بل بالنية الطيبة والرغبة في تقديم الخير للآخرين، كما يعكس معنى الإيثار والتضحية، إذ يتعلم الطفل أنّ تقديم ما لدى الإنسان للآخرين قبل التفكير في ذاته يمثل قيمة أخلاقية سامية، ويظهر السرد أيضًا أهمية المسؤولية الاجتماعية، إذ يُدرك الطفل أنّ الأفعال الطيبة تؤثر إيجابيًا في حياة الآخرين، وأنّ المجتمع يتكون من تفاعلات تقوم على التعاون والمساعدة، فيقدّم السرد التقنيات الأدبية الفعالة مثل الوصف التفصيلي للموقف، ما يعزز قدرة الطفل على تصور الحدث، والحكاية الرمزية، إذ تمثل الشاة الوحيدة التضحية القصوى، والتسلسل المنطقي للأحداث من الموقف إلى الفعل والدرس المستفاد، ممّا يجعل العلاقة بين السلوك والقيمة الأخلاقية واضحة ومباشرة.

    وعليه يمكن القول إنّ فعاليّة السرد القصصي تمثّل دورًا هامًّا في ترسيخ القيم الأخلاقيّة للأطفال بشكل مباشر وعملي، إذ تجمع بين التجربة الواقعية والقدوة العملية والتأثير الاجتماعي، ما يجعل الطفل قادرًا على فهم القيم وتطبيقها في حياته اليومية.

 

المصدر

قصص للأطفال، نبراس يوسف الطالقاني، (14 – 17)