يُحكى عن قصة طريفة لسيدة كانت تقطع السمكة إلى نصفين قبل أن تضعها في القدر، سألتها ابنتها عن السبب، فأجابت بأنها رأت أمها تفعل ذلك، وهي فقط تتبع الخطوات نفسها، لم تقتنع الابنة، فذهبت لتسأل جدتها، فجاء جوابها مشابهًا لإجابة أمها.

استمرت الفتاة في بحثها حتى وصلت إلى جدتها الكبرى، فكان الجواب ببساطة: كان القدر صغيرًا لا يتسع للسمكة كاملة، لذلك كنت أقطعها.

العِبرة من هذه الحكاية أن الابنة اتبعت ما يُعرف (ثقافة الجماعة) من دون أن تسأل عن السبب، وكان ذلك تقليدًا أعمى؛ لأن ما كان مناسبًا للجدة الكبرى في زمانها وظروفها، لم يعد بالضرورة مناسبًا لغيرها، وهنا ندرك أن اتباع الجماعة قد يكون في بعض الأحيان مضرًّا.

كثيرًا ما ينتابني سؤال: إلى أي مدى يمكن أن تكون اختياراتنا متأثرة بالآخرين دون أن نلجأ إلى صوتنا الداخلي؟ ولماذا نقرر ما نقرره في حياتنا؟ وما حجم تأثير المجتمع في توجيه مساراتنا؟.

اتخاذ القرار ليس أمرًا سهلًا، فهو مبني على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تترتب عليها نتائج قد تنفعنا أو تضرنا، لذلك يجب أن نستمع لأنفسنا قبل الآخرين؛ فهم لم يعيشوا تجاربنا، ولن يروا ندوبنا الداخلية، وبالتالي لن يكون قرارهم مطابقًا لما نراه من الداخل.

صحيح أننا قد نأخذ نصيحة من نثق بهم إن وافقت قناعاتنا، لكن يبقى الحسم لنا وحدنا، فنحن الوحيدون الذين ندرك كيف كنا، وكيف سنكون بعد اتخاذ القرار.

خصوصًا في القرارات المصيرية كالزواج مثلًا؛ قد يرى الآخرون أن هذه الزيجة غير مناسبة من وجهة نظرهم، فتتأثر بكلامهم، بينما هي في العمق مناسبة لك من جوانب عدة، فكرية أو مادية أو اجتماعية أو حتى دينية، لكن رأيًا واحدًا قد يربكك ويصرفك عن خيار كان الأصلح لك.

 

وأحيانًا يدفعنا إلى تقليد الجماعة الشعور بالخجل؛ رغبةً في أن نكون مثل الآخرين وألا نشعر بالاختلاف، فنبدأ بتقليد أفعالهم وربما أقوالهم. وهنا يجب أن نُفرّق بين (تقليد الجماعة) و(المصلحة العامة)، وأن نكسر حاجز الخجل ونطرح سؤال: لماذا؟

فالسؤال هو مفتاح الفرج، والمحيط مهما صغر، حتى لو كان فردًا واحدًا، قد يشكل ضغطًا حقيقيًا يؤثر في قراراتنا.

 

هناك قاعدة تقول إن المحيط زائد ردة الفعل يساوي النتيجة، فالمحيط له تأثير كبير جدًا في اختياراتنا.

إن اتخاذ القرار موضوع مرهق يستنزف الإنسان فكريًا؛ فكل ما نقوم به، حتى ما يبدو تافهًا، هو قرار، كطريقة جلوسنا، وحديثنا، وحتى صمتنا.

 

علينا أن نرسم لأنفسنا جدولًا واضحًا لكل قرار، ندرس فيه الجوانب الإيجابية والسلبية، ثم نختار الأفضل بعد التأني والتقصّي، ولا بأس باستشارة شخص نثق به، لا يحمل لنا ضغينة، ليساعدنا على رؤية الصورة بوضوح دون تشتت أو دوّامة حيرة.

وأحيانًا يرتبط القرار بفكرة (المتعة المؤجلة)، أي أن نصبر أمام رغبة آنية من أجل فائدة أكبر في المستقبل، وهنا نتعلم أن حياتنا هي قرارنا نحن، لا ما يفضله الآخرون ولا ما اعتدنا سماعه.