يُعدّ الصداع من أكثر الشكاوى الصحية شيوعًا بين النساء، إذ لا تكاد تخلو تجربة امرأة – سواء كانت أمًا، ربّة منزل، أو موظفة – من نوبات صداع متفاوتة الشدة، في ظل نمط حياة متسارع ومسؤوليات متراكمة تضغط على الجسد والنفس معًا، وتنعكس بشكل مباشر على صحة المرأة وجودة حياتها اليومية.

وفي حوارٍ خاص لواحة المرأة، تحدّثت الدكتورة أروى مخلوف، أخصائية الأمراض العصبية، الحاصلة على البورد السوري ودرجة الماجستير بمرتبة الشرف، وأخصائية علاج النطق والتخاطب، وصعوبات التعلّم واضطرابات السلوك لدى الأطفال، وذلك خلال حديثها في مستشفى السيدة خديجة (عليها السلام) التخصصي للمرأة.

توضح الدكتورة أروى أن الإحصاءات تشير إلى أن ما يقارب (80–85%) من حالات الصداع لدى النساء تندرج ضمن نوعين رئيسيين هما الصداع النصفي (الشقيقة) والصداع التوتري، مؤكدة أن هذين النوعين – رغم ما يرافقهما من ألم شديد ومعاناة يومية – يُعدّان في الغالب غير خطيرين من الناحية العضوية، إلا أنهما يؤثران بشكل واضح في الأداء النفسي والجسدي للمرأة.

وتشير إلى وجود مفاهيم شائعة غير دقيقة حول الشقيقة، إذ يُعتقد أنها تعني بالضرورة صداعًا نصفيًا يصيب جهة واحدة من الرأس، بينما الواقع الطبي يبيّن أن ذلك ليس شرطًا، فقد تكون الشقيقة في جهة واحدة أو في جهتين، وقد تظهر بأشكال متعددة، وتوضح أن هناك شقيقة نموذجية تترافق غالبًا مع ألم نابض وحساسية شديدة للضوء والضجيج، وأخرى غير نموذجية لا تجتمع فيها جميع الصفات المعروفة، ما يجعل تشخيصها أحيانًا أكثر تعقيدًا.

أما الصداع التوتري، فتصفه الدكتورة بأنه الصداع المرتبط بنمط الحياة السريع وكثرة المسؤوليات وقلة الراحة والتوتر النفسي المستمر، وهو شائع بشكل خاص لدى الأمهات وربّات المنازل وسيدات الأعمال، ويظهر عادة على شكل شدّ أو ضغط على الرأس دون صفات نابضة واضحة، ويزداد مع القلق والإجهاد الذهني المتواصل.

كما تؤكد الدكتورة أروى على وجود علاقة وثيقة بين الصداع ونقص بعض الفيتامينات والعناصر الغذائية، ولا سيما فيتامين (د3) الذي يؤدي نقصه إلى صداع مزمن واكتئاب وتساقط الشعر واضطرابات عامة، وفيتامين (ب 12) المرتبط بالدوار واضطرابات التوازن، إضافة إلى نقص المغنيسيوم الذي يسهم في اضطرابات النوم وتفاقم نوبات الشقيقة، كما تشير إلى أهمية توازن "الإلكتروليتات" أو ما يسمى بالشوارد في الجسم مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم، إذ إن أي خلل فيها قد يزيد من شدة نوبات الصداع، ما يستدعي فحوصات دورية، مرة سنويًا للنساء دون سن الأربعين، وكل ستة أشهر لمن تجاوزن هذا العمر، وتلفت الدكتورة كذلك إلى دور التغيرات الهرمونية التي تمر بها المرأة، خاصة خلال أيام الدورة الشهرية، والحمل، ومرحلة ما قبل انقطاع الطمث، باعتبارها من العوامل المهمة في تحفيز نوبات الصداع، ولا سيما الشقيقة، الأمر الذي يتطلب متابعة طبية دقيقة ومستمرة في هذه المراحل الحساسة.

وفي سياق متصل، تحذّر الدكتورة من الإفراط في استخدام المسكنات دون استشارة طبية، موضحة أن هذا السلوك قد يؤدي إلى ما يُعرف بصداع الإفراط الدوائي، وهو من أصعب أنواع الصداع علاجًا، إذ يحوّل الصداع من حالة عابرة إلى مشكلة مزمنة ومعقّدة.

وتشدّد الدكتورة أروى عبد الناصر على ضرورة مراجعة الطبيب في حال ترافق الصداع مع اضطرابات بصرية أو دوار شديد أو تغيّر في نمطه وحدّته، مؤكدة أهمية فحص النظر وتنظير قاع العين للتأكد من سلامة العصب البصري، إضافة إلى إجراء التحاليل المخبرية اللازمة، وقد يتطلب الأمر تصويرًا دماغيًا بالمفراس أو الرنين المغناطيسي بحسب عمر المريضة وأعراضها، لاستبعاد الأسباب الخطيرة.

وتخلص الدكتورة في ختام حديثها إلى أن الصداع لدى النساء، رغم شيوعه، لا ينبغي الاستهانة به، إذ إن الوعي الصحي، والفحوصات الدورية، وتنظيم نمط الحياة، والالتزام بالتشخيص الطبي الدقيق تشكّل الركائز الأساسية للوقاية والعلاج، بما يضمن للمرأة صحة أفضل وقدرة أكبر على أداء أدوارها المختلفة بثبات وتوازن.