قرأتُ مؤخرًا نصًا حواريًا بسيطًا من رواية، قد يكون في ظاهره أشبه بقصة تُحكى للأطفال، لكنه علِق في ذهني بطريقة فتحت لي أبوابًا للتأمل في أبعادٍ أكثر عمقًا، في النص يسمع الرجل، الذي كان في طريقه نحو بلدةٍ بعيدة، صوتًا من خلفه، فيلتفت ليجد فلاحًا بسيطًا بملامح مُتعبة، يمتطي عربة يجرّها ثور هزيل على وشك أن ينهار من الإعياء، يُلقي الفلاح السلام على الرجل، فيردّ الرجل بتحية مماثلة، فيعرض عليه الفلاح إيصاله معه إلى وجهته، فيردّ الرجل ممازحًا:
«أستطيع أن أُكمل رحلتي مشيًا أسرع من ثورك»
كانت جملة عابرة، لكنها جرحت كبرياء الفلاح ومسّت كرامته، ليس لأنه شعر بالإهانة لشأنه فحسب، بل لأن هذا الثور — رفيق يومه الطويل وصديق عمره — أُهين بدوره.
يردّ الفلاح بغصّة:
«ربما كان ثوري عجوزًا وضعيفًا، لكنه أعزّ صديق لي»
في تلك اللحظة، ينتبه الرجل لما أحدثته مزحته تلك من أثرٍ ثقيل، فيعتذر، وينحني احترامًا، ليس للفلاح فحسب، بل معتذرًا لنفسه أيضًا.. فكيف له، وهو ذلك العنصر البسيط في دائرة خلق الله الواسعة، أن يُقلّل من قدر عنصر آخر في هذه الدائرة، سواء أكان حيوانًا أم إنسانًا؟
فقال:
«إني أعتذر منك ومن ثورك، أرجوك سامحني»
تأملتُ في هذا الحوار مطولًا، ورأيتُ أنه يختزل ميل الإنسان ونزعته الغريزية للتفوّق على الآخر وتصدّر المشهد دائمًا، إنه الغرور البشري الذي يجعل الفرد في حالة مقارنة مستمرة مع الآخر، مقارنة تدفعه ليكون في سباق دائم لينال المراتب الأولى، سواء أكان هذا الأمر شعوريًا أم لا، يسعى الأفراد اليوم ليحظوا بالأفضل على مستويات عدة، لا رغبةً في الترفّع الذاتي والسعي نحو حياة كريمة، بل للتنافس المظهري وتحقيق صورة مجتمعية تجعلهم ضمن فئة محددة من الناس.
إن الرغبة في التطور ليست خطيئة بذاتها؛ فهي الدافع خلف التعلّم، والتقدّم، وتحسين الذات، لكن المشكلة تبدأ حين يتحوّل السعي للتميّز إلى وسيلة لانتقاص الآخرين والتفوّق عليهم، فيغدو المجتمع ساحة حرب يسعى الجميع فيها للصدارة وحيازة أفضل موارد العيش، لا لراحةٍ داخلية أو نفسٍ مطمئنة، بل ليُقال عن فلان إن لديه كذا وكذا؛ فتراه يكدّ ويلهث، ويُحمّل نفسه فوق طاقتها، كي يبدو لافتًا للنظر، ناجحًا في المقاييس الدارجة مهما كانت مرهقة وهكذا يُصبح المظهر أهم من الجوهر، وينتهي به المطاف مؤثرًا ما يراه الناس على ما يحتاجه هو، مفضّلًا إعجاب الخارج على سلام الداخل، مغترًّا بنفسه ومنتقصًا من مكانة غيره.
وفي خضمّ ما يعيشه المجتمع من طبقيةٍ صريحة اليوم، فإننا نغفل أحيانًا عن أننا نستهين بالآخر فقط لأننا نرى أنفسنا في موقع أقوى، وإن كانت تلك القوة وهمية وشكلية، ومن خلال تصرّفات بسيطة، قد تحمل مقارنة عابرة استهانة، وملاحظة بريئة حكمًا غير عادل، وكلمة مزاح تعاليًا يجرح كرامة الآخر؛ الآخر الذي هو من ذات مادة الخلق، من الطين نفسه، ومن نفخة الروح ذاتها، ولو تجرّدنا من كل ما علق بنا من الدنيا، من مالٍ ومظهرٍ ومكانة، لتساوينا معه تساويًا تامًا، دون أفضلية لأحد إلا بما يزرعه في داخله من خُلُقٍ ورحمة.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري