يميل كثير من الأشخاص إلى العزلة وعدم الاختلاط مع الآخرين، وينطبق هذا على مختلف المراحل العمرية، وقد تكون العزلة اختيارًا صحيًا في بعض الأحيان، لكن الخوف كل الخوف أن تتحوّل إلى هوس أو فوبيا، بحيث يميل الشخص إلى الانطواء والابتعاد حتى عن الأهل والأصدقاء، وبدلًا من استغلال الوحدة في تطوير الذات والاستمتاع بالوقت، يصبح الشخص عاجزًا عن إتمام مهام عمله ضمن مجموعة من الأفراد.
فالإنسان مجبول على الاختلاط والمشاركة في العمل الجماعي، وتقديم الخير، ومدّ يد المساعدة للآخرين؛ بينما تُعدّ ثقافة العزلة ثقافة جديدة على مجتمعنا، هيمنت على أغلب الفئات العمرية، ولا سيما فئة الشباب، بسبب شبكات التواصل الاجتماعي والانغماس في اللهو والتفاهات المتاحة على بعض المواقع.
ولا يوجد تقاطع أو ممانعة في استغلال مواقع التواصل الاجتماعي إذا كانت تصبّ في مصلحة الفرد وتطوير ذاته، لكن جلّ ما يهمّنا هو ألّا تجرّه المغريات إلى تفضيل العزلة على الاندماج في مشروع الحياة، فمن غير الممكن أن يعيش الإنسان بمعزل عن المجتمع، فهو عنصر يؤثّر فيه ويتأثّر به.
إنّ الهدف من البقاء وحيدًا يجب أن يكون مهارة في استغلال الوقت والاستمتاع بالوحدة بشكل إيجابي لإنجاز هدف معيّن، على أن تكون العزلة محصورة بوقت محدّد، منوط بانتهاء العمل، فإذا خرجت عن هذا السياق، خرجت عن السيطرة، وكانت لها انعكاسات كبيرة، ولا سيما على الفرد نفسه.
للميل إلى العزلة أسباب عديدة؛ فقد تكون عادة مغروسة منذ الصغر بسبب حرص الوالدين الزائد على الطفل وعدم دمجه مع بقية أقرانه، وقد تكون صفة العزلة مقترنة بأحد الأبوين أو كليهما، كما أن البيئة التي ينشأ فيها الشخص لها تأثير مباشر في مراحله الحياتية اللاحقة؛ فمن ينشأ في بيئة اجتماعية تدعم الاختلاط والاندماج العائلي، يشبّ على حياة مليئة بالنشاط والتفاعل والمشاركة.
ومن الأسباب الأخرى للعزلة عدم الثقة بالنفس والخوف من مخالطة الأصدقاء، ما يؤدي إلى الانطواء وتجنّب التواصل الاجتماعي مع الآخرين، وقد تتطوّر العزلة لتصبح عائقًا حياتيًا في أداء مهام الفرد؛ فعلى سبيل المثال، قد يعجز طالب عن دخول رحاب الجامعة لأنه وضع في حساباته أنها مجتمع جديد يضم أشخاصًا جدُدًا واتساعًا في دائرة العلاقات، وهنا تكمن خطورة العزلة في تعطيل قدرات الفرد والحدّ من تقدّمه.
أما أصعب أنواع العزلة فهي العزلة العصرية، التي أصبحت ملازمة للكثيرين على اختلاف أعمارهم؛ حيث باتت العائلة الواحدة تعيش تحت سقف واحد، لكن يجمع أفرادها صمت العزلة، فلا يتبادلون الأفكار ولا المشاعر، بسبب الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي، التي دفعت بالكثيرين إلى الميل للعزلة والانطواء، فقد ساهمت هذه الحياة الافتراضية، التي توفّر وسائل ترفيه متعددة، في القضاء على الحوارات والأحاديث المتبادلة بين الأشخاص، ولا سيما داخل الأسرة، إذ يجلس كل فرد أمام جهازه الذكي ليقضي معظم وقته منشغلًا به.
وعليه، فإن الميل إلى العزلة ظاهرة ضارّة لا تشفع لها مبرّرات الانشغال بالعمل أو الظروف، ولا بدّ من الحدّ منها بدءًا من انتباه الوالدين لسلوك الأبناء في الصغر، ودمجهم في العمل الجماعي، وتعويد الطفل على المشاركة في فعاليات وأنشطة مختلفة، كما يقع على عاتق إدارات المدارس تنظيم رحلات ونشاطات طلابية تتجسّد فيها روح العمل الجماعي، إلى جانب الدورات الدينية والثقافية، واستثمار العطل الصيفية في الانضمام إلى مجموعات تتيح التواجد وسط الآخرين والعمل ضمن فريق، لما لذلك من أثر كبير في التغلّب على العزلة والانطواء.
أما في فئة الكبار، فلا بدّ أن يكون الشخص واعيًا، ويضع أهدافًا واضحة في حياته؛ فعندما يمتلك الإنسان خططًا يسير عليها، يتمكّن من تجاوز هذه المشكلة، لأنه يسعى جاهدًا لتحقيق تلك الأهداف، كما أن زيادة الثقة بالنفس، والقراءة، وتوسيع المعرفة، تعزّز لباقة الشخص وقدرته على الحديث مع الآخرين، مما يولّد اهتمامًا وشغفًا لدى المحيطين به للتواصل معه.
إن الخروج من دائرة العادات السيئة ليس أمرًا صعبًا متى ما انتبه الإنسان إلى ذاته وقيمه؛ فمراجعة النفس وتشذيبها أسلوب حياة.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري