لم يعد الهاتف الذكي مجرد أداة اتصال، بل تحوّل عند جيلٍ كامل إلى عضوٍ إضافي في الجسد، يدٍ ثالثة لا تُفارق، حتى وإن تعارض وجودها مع العمل، أو الاحترام، أو أبسط قواعد الحياة، ما يحدث اليوم بين الشباب الصغير ليس شغفًا بالتكنولوجيا بقدر ما هو تبعية مرضية لجهازٍ يختصر العالم ويبتلعه في الوقت نفسه.
القصة التي تبدو عابرة _شاب يُفصل من عمله لأنه لم يستطع ترك هاتفه عن يده _ليست حادثة فردية، بل علامة إنذار حضاري، أن يختار شاب هاتفه على لقمة عيشه، وعلى فرصة عمل حذّره صاحبها مرارًا، فهذا يعني أننا لا نواجه كسلًا ولا عنادًا، بل إدمانًا مكتمل الأركان، المفارقة الصادمة ليست في قرار صاحب العمل، بل في قرار الشاب: الطرد أهون من أن يفلت الهاتف من يده، وهذه طامة كبرى.
الهاتف لم يعد وسيلة، بل أصبح مرجعية نفسية وأولوية قصوى، يمنح صاحبه شعورًا زائفًا بالأمان، وبالانتماء، وبالوجود، حين يمسكه يشعر أنه حاضر في العالم، وحين يُطلب منه تركه يشعر وكأنه يُنتزع من ذاته، هنا تتفاقم الكارثة: الهوية لم تعد تُبنى بالعمل، أو المهارة، أو الكرامة، بل بعدد الإشعارات والرسائل ومقاطع الفيديو.
الأخطر أن هذا السلوك يُبرَّر اجتماعيًا، لم يعد غريبًا أن ترى شابًا يعمل بيدٍ ويُحدّق في هاتفه بالأخرى، وكأن التركيز الكامل أصبح ترفًا قديمًا لا يليق بعصر السرعة، لم يعد يُنظر إلى الانتباه على أنه قيمة، بل كعائق أمام (المتعة الفورية) العمل صار مقاطعة غير مرغوبة بين فيديو وآخر.
هذه الظاهرة لا تُدمّر علاقة الشاب بعمله فحسب، بل تُعيد تشكيل دماغه، الدراسات النفسية تتحدث عن تآكل القدرة على التركيز، وعن ضعف البصر، وعن الحاجة الدائمة للتحفيز السريع، الشاب الذي لا يستطيع ترك هاتفه عشر دقائق لن يستطيع بناء مشروع، ولا تعلّم حرفة، ولا تحمّل مسؤولية أسرة؛ لأنه تربّى على اللذة السريعة، لا على المعنى البعيد.
والأكثر قسوة أن هذا الإدمان يُقدَّم على أنه (حرية شخصية) لكن أيّ حرية تلك التي تجعلك عاجزًا عن ترك جهاز؟ الحرية الحقيقية أن تملك الشيء، لا أن يملكك، أن تستخدم الهاتف حين تريد، لا أن يستدعيك هو كل دقيقة، ما نراه اليوم ليس حرية، بل عبودية أنيقة بشاشة مضيئة.
حين يصبح الهاتف أغلى من العمل، وأهم من الكرامة، وأقرب من اليد نفسها، فنحن لا نخسر وظائف فقط، بل نخسر جيلًا كاملًا يُستبدل فيه الجهد بالإعجاب، والعرق بالإشعار، والحلم بمقطع قصير يُنسى بعد ثوانٍ.
القصة التي أثارتك بوصفك أبًا أو أمًا ليست شخصية، بل جماعية، إنها سؤال موجّه إلينا جميعًا: كيف نُربي أبناءنا على عالمٍ افتراضي دون أن نمنحهم أدوات النجاة في العالم الحقيقي؟ وكيف نلوم شابًا على إدمان صنعناه نحن، وباركته المدارس، وسكت عنه المجتمع؟
الهاتف ليس العدو، لكن تحويله إلى يدٍ لا تُفلت هو بداية خسارة كل الأيدي الأخرى: يد العمل، ويد البناء، ويد المستقبل.
وفي الختام، أجد أن هناك عوائل سلكت سلوكًا إيجابيًا تجاه أبنائها الصغار، بمنعهم من الاقتراب من الهاتف مهما كانت التحديات، فلنجعل غيرها من العوائل تتجه إلى هذا المسلك التربوي.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري