موقعُ بيتِ العمّ المميّز، المطلّ على شطّ الحلة، جعله محطةً لاجتماع العائلة في ليلة النصف من شعبان، حيث منزل الأجداد الواسع الذي يحتضن، بحبٍّ وألفةٍ غير معهودة، جميع الإخوة والأخوات وأولاد العمّ وزوجاتهم وأطفالهم، في تقليدٍ سنويٍّ مقدّس تواظب العائلة على إحيائه كلَّ عام.

فرحةُ الإفطار الجماعي، وفرحةُ الصيام في تلك الليلة البيضاء، لا تضاهيها فرحةُ الذهاب إلى شطّ النهر، حيث تمارس العائلة طقوسها المحبّبة في إيقاد الشموع وتركها تتهادى وسط المياه، في منظرٍ مهيب، وهو بالتأكيد أحدُ العادات والتقاليد المتّبعة في هذه المدينة.

لا يتخلّف عن هذه الطقوس إلا أحدُ أفراد العائلة، الذي يفضّل دومًا أن يحتفل بهذا الشهر وبالمواليد المباركة للأئمّة الأطهار احتفالًا غير مألوف، وعلى طريقته الخاصّة، حيث يواظب على إقامة شعائره المميّزة منذ سقوط النظام البائد وحتى الآن، بأسلوبٍ يجذب الأنظار ويحيي القلوب، ولكنه لا يُقارن طبعًا بأسلوبه في إحياء شعائر أهل البيت الكرام في ليالي استشهادهم وفي الأشهر الحُرم.

في تلك السنوات لم تكن كلّ الأمور مهيّأة للاحتفالات، فالحالة المادّية منهكة ولا تساعد على البذخ، إلا أنّه كان يصرّ على الاحتفال على نفقته الخاصّة، بمساعدةٍ بسيطة من أخيه الأصغر وبعض شباب الحيّ الشعبي الذي يسكن فيه، والذين يجتمع بهم قبل المناسبة بعدّة أيّام لتقسيم المهام.

هو ليس صاحبَ موكب، لكنه يملك كافّة مستلزمات المواكب الرصينة، ويفوقها حبًّا وإرادة، حيث يتّخذ من رصيف الشارع الرئيسي للحيّ مكانًا لإقامة احتفاله الميمون، الذي يصفه دائمًا بأنّه: «لا عينٌ رأت ولا خطر على بال أحد»، تسبقه راياته الملوّنة الكبيرة التي يحرص على وضعها في مكان الاحتفال، فيستبشر الجميع وتزداد فرحتهم بالميلاد الميمون، ومعها قطعة القماش الوردية اللون (اللافتة) التي يخطّ عليها، بحبٍّ واعتزازٍ كبيرين، أسماء الأقمار الشعبانية وتواريخ ولادتهم، وتُطرّز بالورود والشموع بما يليق بأصحاب المناسبة.

كما ينهمك شباب الحيّ في استكمال مستلزمات الاحتفال، حيث تنحصر مهمّتهم في طلب المناضد والكراسي من الجيران، في تعاونٍ مثمر يشير إلى قوّة أواصر الروابط بينهم، كما يسارعون في تنفيذ طلبه بجلب كميّاتٍ كبيرة جدًّا من أغصان الياس من حدائق البيوت المجاورة، ثم غسلها في قدورٍ كبيرة وتشذيبها استعدادًا لوضعها في مزهريّاتٍ خاصّة أعدّها لهذا الغرض.

ولا يخلو الاحتفال أيضًا من البخور والشموع، التي يحرص على وضعها في علبٍ خاصّة بعد أن يملأها بالطين قبل أيّام لتكون أكثر ثباتًا، فضلًا عن تجهيز الحنّاء والحلويات والكرزات والجكليت، إلى جانب (الشربت) ذي النكهة الرائعة، الذي يحرص على تحضيره بنفسه، وهو الضليع بهذه الأمور.

وبالهلاهل والتصفيق، وعلى أنغام أغاني المواليد المعروفة التي تُبثّ من مكبّرات الصوت التي يثبّتها بإحكام في مختلف الاتّجاهات، ينتهي الاحتفال بتوزيع الحلويات وغيرها على الصغار والكبار، كما تتهافت النساء لأخذ