قصة غريبة حدّثتني بها جارتي عن إحدى قريباتها، سردت فيها معاناة ابنها ذي الربيع الخامس، حينما اختبأ شقيقه الأكبر خلف الباب وقام بإخافة الصغير بطريقة مرعبة، تسبّب هذا الحدث – بحسب روايتها – بإصابته بمرض السكري المزمن، ما أحال حياة الطفل وأهله إلى مأساة حقيقية، أنذرت بكارثة صحية لازمت هذا الصغير حتى اللحظة.

يلجأ بعض الأشخاص البالغين، أو حتى الآباء، وأحيانًا الفتيات اللواتي يتميّزن بطاقة وحركات خفيفة، إلى مداعبة الأطفال الصغار عبر إخافتهم بدافع التسلية أو المزاح، ظنًا منهم أن هذا التصرّف يُعدّ من باب الدعابة أو اللعب الخفيف، غير مدركين للعواقب النفسية والصحية التي قد يتركها هذا السلوك على الأطفال.

هذه الظاهرة بات من الضروري تسليط الضوء عليها، بعد اكتشاف آثارها العميقة على الأطفال من وجهات نظر تربوية ونفسية وصحية، وفي هذا السياق، ينوه المرشد التربوي إحسان الجاف إلى ظاهرة تخويف الأطفال بطرق سلبية ومتعددة، سواء بالصوت، أو في الظلام، أو عبر مشاهد مرعبة كارتداء الأقنعة أو الملابس غير المعتادة، مؤكدًا أنها من الأساليب غير الناضجة، والمعبّرة عن عدم الاهتمام بالنتائج العكسية التي يظن البعض أنها تُسلّي الطفل، غير مبالين بما قد تحدثه من تغيّرات نفسية أو صحية، أو حتى توليد كراهية تجاه الشخص الذي يقوم بإخافته.

ويعدّ الجاف هذا التصرّف من مسبّبات فقدان الثقة، والتلعثم في الكلام، فضلًا عن أنّ الطفل إذا دخل المدرسة قد يعاني من خوف مستمر من أي حركة تصدر من المعلّم، ويخشى التلاميذ، وغيرها من الآثار الجانبية المزعجة التي طالما حُذِّر منها.

 

تعزيز الشعور بالمحبة

يعاني معظم الأطفال من الخوف أثناء النوم أو في الظلام، وغالبًا ما يكون ذلك نتيجة تعرّضهم سابقًا لنوع من التخويف أثناء تسلية غير مقصودة، وهذا ما تحدّثت عنه الطبيبة النفسية ابتهاج الحاج رضا، إذ تقول:

«الطفل كائن مرهف الإحساس، ولديه قابلية عالية على تصديق كل ما يدور حوله، وما نعتبره مزاحًا قد يُخزَّن في ذاكرته ويومياته على أنه حدث خطير ومؤلم، قد يفضي إلى كره الشخص الذي قام به، أو إلى فقدان الانسجام والرغبة في التقرب منه مرة أخرى».

وتؤكد الحاج رضا على أهمية ممارسة الدعابة مع الأطفال بأسلوب آمن يعزّز الشعور بالحب والأمان، لا الخوف والقلق، مشددة على أن التربية الواعية تبدأ من احترام مشاعر الطفل وعدم الاستخفاف بمخاوفه.

وتشير إلى أن أسلوب المزاح القائم على التخويف من أكثر الأساليب التي تسبّب اضطرابات نفسية، ولا سيما نوبات الهلع، والتي قد تؤدي في حالات كثيرة إلى النسيان أو ضعف الذاكرة نسبيًا، كما تؤكد الدراسات النفسية أن لهذا الأسلوب علاقة سلبية بحياة الطفل وطريقة تعامله مع الآخرين، إذ يولّد فجوة في العلاقات وفقدانًا للثقة والأمان، فضلًا عن التسبّب بالكوابيس الليلية، والتبول اللاإرادي، وغيرها من مظاهر الهلع.

وتضيف أن الجهاز العصبي للأطفال أكثر حساسية، وأن ما يُعدّ مزحة بسيطة لدى البالغين قد يكون تجربة مرعبة تترك آثارها لسنوات طويلة.

 

تجارب واقعية

من الحكايات التي سمعتها من أمهات مررن بحوادث مؤلمة مع أطفالهن، تروي أم منتظر قائلة: «كنت أمزح مع ابني ذي الأربع سنوات بارتداء قناع مخيف، ضحك في البداية، لكنه بعدها صار يخاف من النوم وحده، ولم يعد يرغب في تناول الطعام من يدي، وكلما اقتربت منه يبكي ويهرب، ما دفعني إلى استشارة قريباتي اللواتي نصحنني بأخذه لزيارة المساجد وأضرحة الأئمة طلبًا للشفاء».

أما رسول ماجد فيقول:

«كنت أطفئ الضوء فجأة وأصرخ على أولادي، ولم أكن أتوقع أنهم سيصبحون مرعوبين كلما انطفأ النور، ندمت كثيرًا، فقد أُصيب ابني الصغير برجفة في قدمه ولم يتمكّن بعدها من المشي، وأصبحت زبونًا دائمًا لعيادات الأطباء».

وبحسرة وألم، تتحدّث أم سارة عن معاناتها مع ابنتها ذات الثمانية أعوام، المصابة بمرض البهاق، إذ تبيّن بعد الفحوصات الطبية أن مسبباته تعود إلى صدمة نفسية أثّرت على خلايا الجلد وسبّبت خللًا في صبغة الميلانين، لتبدأ رحلة طويلة من العلاج، إلى جانب تعرّض الطفلة للتنمّر من أقرانها في المدرسة.

 

تثقيف الأهل

عن هذه الحالات وغيرها، يوضح الأخصائي النفسي حيدر الصالحي قائلًا:

«من المؤسف أن يكون المزاح مع الأطفال بهذه الوسيلة غير البنّاءة، ظنًا أنها لعبة أو تلاطف، في حين أنها قد تتسبّب بحالات نفسية وأمراض صحية، خاصة إذا تجاوزت الحدّ البسيط، لذا ننصح بالتوقف عن استخدام الخوف كأداة للضحك، وضرورة تثقيف الأهل حول الأثر النفسي لهذه الأفعال غير المنطقية، واعتماد أساليب لعب آمنة ومناسبة تحمي الطفل من الأذى النفسي والصحي».