إنهم أشبه بزهورٍ ندية، تتفتح مع أول خيوط الصباح، تحمل معها الأمل، وتتشبث بجدائل الحياة لتعلن أن الغد لها، مهما تكاثرت العواصف، تخرج إلى الدنيا بأحلامٍ كبيرة، تريد أن تبني، أن تغيّر، أن تصنع لنفسها بصمة في هذا الكون، لكن سرعان ما تكتشف أن الواقع ليس سهلًا، وأن الطريق الذي تحلم به مليءٌ بالحفر والمنعطفات، وفيه ضغوطات ومشكلات اجتماعية وفكرية تعصف بها.
كم منهم يشعر بأن أثقال الدنيا وُضعت على كتفيه؟
ضغوط الدراسة، البحث عن فرصة عمل، غلاء المعيشة، صراعات أسرية، وتحديات يومية لا تنتهي...
هذه الضغوط كثيرًا ما تجعل الشاب يشعر وكأنه غريب وسط أهله ووطنه، لا يجد من يفهم صمته، ولا من يداوي جراح قلبه، يعيش في مجتمع لا يرحم، يحكم على المظاهر، ويطالبه بالإنجاز من غير أن يمدّ له يد العون.
ومع كل هذا، يبقى في داخله صوتٌ صغير يهمس: "اصبر، فالحياة لم تُخلق عبثًا، وأنتم قادرون على تجاوز هذا الألم"
ومع هذه الضغوط، تُفتح أمامهم أبواب العالم الافتراضي، حيث مواقع التواصل الاجتماعي؛ في ظاهرها نافذة للتعبير والتواصل، لكن في باطنها ألغام فكرية وأخلاقية، فكم من شابٍ وقع في شَرَك المحتويات التي تُروّج للتفاهة، وتُزيّن له الحرام، حتى بات لا يُميّز بين الصحيح والزائف، بين القيم النبيلة والأفكار المسمومة؟
إن هذه الوسائل لا تكتفي ببثّ صورٍ براقة لحياةٍ وهمية، بل تحاول أن تسحب العقول والقلوب نحو هاوية الشهوات والانحرافات، حتى تختلط الأمور، ويفقد الشاب القدرة على الحكم السليم.
وفي لحظةٍ ما، يجد نفسه ممزقًا بين عقلٍ يريد الخير، وعاطفةٍ تنجرف خلف بريقٍ زائف، يعرف أن هناك طريقًا مستقيمًا يضيء له درب المستقبل، لكنه يرى أيضًا طرقًا معبّدة بالملذات السريعة، فيقف حائرًا.
كم من شابٍ تاه في هذه المفترقات؟
لا يدري: أيلحق بالفطرة التي غرسها الله فيه؟ أم يستسلم لموجة الإغراءات العاتية؟
هذا الصراع يُنهكه، لكنه في الوقت نفسه يُصقِل روحه، إذا تمسّك بالعقل والإيمان، ومن وسط هذه الفوضى، يخرج شبابٌ آخرون، مختلفون في فكرهم ورؤيتهم، هم الثلة الواعية، الذين لم يجعلوا عقولهم لعبةً بيد المؤثّرين، ولا قلوبهم ملعبًا للشهوات.
شبابٌ يُعيدون للأذهان صورة الصباح النقي، ينشرون العقيدة الصحيحة، ويبثّون التوعية في كل مكان: في المدارس، الجامعات، المساجد، وحتى عبر المنصّات ذاتها التي استُخدمت في التضليل.
إنهم يثبتون أن الأمل ليس وهمًا، وأن بإمكانه أن يُحوّل الوسائل الحديثة إلى منابر خيرٍ وإصلاح، ويُعلّمون أقرانهم أنهم ليسوا ضعفاء كما يحاول البعض أن يُقنعهم، بل هم قوة الأمة، وعمادها، ومستقبلها.
وكل ما يحتاجون إليه هو أن يوقظوا العزيمة الكامنة في أعماقهم.
أن يؤمنوا بأن الإصلاح يبدأ من داخلهم: من قرارٍ صغير بأن يبتعدوا عن رفقة السوء، من خطوةٍ واعية نحو محتوى نافع، من كلمةٍ صادقة يقولوها لمن حولهم.
إن المستقبل يفتح ذراعيه لهم، لكنه لا يمنحهم مفاتيحه إلا إذا أثبتوا أنهم أهلٌ للمسؤولية.
فلتكن لديهم طموحات لا تحدّها السماء، وليدركوا أن كل نجاحٍ كبير يبدأ بفكرةٍ صغيرة وقرارٍ شجاع.
إذًا، معشر الشباب أنتم كندى الصباح على أوراق الحياة، قد تعانون من العواصف والرياح، لكنكم ما زلتم تملكون جذورًا تضرب في عمق الأرض، وأوراقًا تعانق السماء، اجعلوا من المعاناة مدرسة، ومن الأوجاع وقودًا، ومن الأحلام أجنحةً تُحلّق نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
إن اليأس هو العدو الأول، أما الرجاء فهو السلاح الذي لا ينفد، فلنقف معًا، نساند بعضنا، ننشر النور حيثما اشتد الظلام، ونكتب على جدار الزمان أننا جيلٌ لم يرضَ أن يُستهلك في لهوٍ فارغ، بل جيلٌ نهض وصنع الحياة، فنحن شباب اليوم، قادة الغد، وروح الأمة المتجددة، ومهما أثقلتنا الهموم، ستشرق شمسنا من جديد، وسيمتدّ نورنا ليبدّد الظلام.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري