بينما يخطو الطفل خطواته الأولى في عالم الكلام، يظل لسانه مرآةً لمحيطه، يعكس ما يسمع ويعيد تشكيله ببراءة لا تدرك حدود المعنى ولا عواقب اللفظ ، فكثيرًا ما تفاجئنا أفواه الصغار بكلمات جارحة أو عبارات غير لائقة، ليست وليدة سوء نية، بل ثمرة تقليد لما يدور حولهم ، الطفل بطبعه كائن مكتسب؛ يلتقط الألفاظ كما يلتقط الألوان، ويجربها كما يجرب اللعب، غير مدرك لثقل الكلمة وما قد تحمله من أثر اجتماعي ونفسي، وهنا تبرز مسؤولية البيئة الأولى، فالأسرة والمجتمع هما المعلم الحقيقي،إما أن يزرعا في قاموسه بذور التعبير الراقي، أو يتركا لغته عرضة لعشوائية الشارع وضجيج العابرين.

غير أن بعض الأسر تصطدم بواقع مؤلم، حين يطلق الطفل لفظًا بذيئًا في غير موضعه، فيحرج والديه أمام الآخرين، وربما يدفعهم ذلك إلى الانزواء أو تقليل الخروج إلى الأماكن العامة؛ لكن قبل أن نصدر الأحكام على الطفل، يجدر بنا أن نتساءل: من أين يلتقط هذه المفردات؟ أهو صدى لكلمات يسمعها في محيط العائلة؟ أم أنه انعكاس لصحبة رفاق أو جلسات إلكترونية عابرة تُغريه بلغة مشوَّهة؟

الأسباب متعددة؛ تبدأ من الأصدقاء الذين يقضي معهم وقت الفراغ، وتمتد إلى غياب التوجيه عند سماع الكلمات غير اللائقة، ولا تنتهي عند ما تقدمه بعض الألعاب الإلكترونية والبرامج التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي من لغة مبتذلة تسللت إلى وجدان الصغار بلا رقيب ولا حسيب.

لكن الحل ليس عسيرًا، فلو أراد الوالدان أن يربيا أبناءهما على لغة جميلة ولائقة، فعليهما أن يدركا أولًا أن الطفل مرآة لهما، إن نطق الكبار بالكلمات البذيئة أمامه، فسيمتلكها لا محالة، وإن تُرك أمام الشاشات يتصفح ويشاهد بلا متابعة، فلن يتأخر في التقاط ما يفسد قاموسه الطفولي.

الطريق يبدأ من البيت: اختيار محتوى تلفزيوني مناسب، تقنين استخدام التكنولوجيا، إتاحة صداقات نظيفة تحيط بالطفل، وعدم الانفعال المفرط تجاه غضبه أو خسارته لألعابه، ومن المهم أيضًا ألا يتحول البيت إلى ساحة ألفاظ قاسية، بل إلى واحة لغة رقيقة يتبادل فيها الأهل التحايا والكلمات الجميلة، ليشعر الطفل أن الحوار الإيجابي هو الأصل.

وعندما يخطئ الصغير ويتلفظ بكلمة بذيئة، فإن الضحك على الموقف يزيد الأمر سوءًا،الأفضل أن يُقابل اللفظ برفض هادئ وتوضيح صريح أن هذه الكلمات ليست لائقة، وفي المقابل، يجب مكافأة الطفل حين يترك هذه الألفاظ، ليشعر أن الامتناع عنها أمر محمود ومحبب.

إن لغة الطفولة ليست مجرد أصوات تتناثر في الهواء، بل بذور تنمو لتصير شجرة هوية الإنسان، فإذا سقيناها بماء الاحترام والجمال، أثمرت كلامًا عذبًا يليق بالقلوب والعقول، أما إن تركناها لوحدها، فقد تذبل أو تنمو أعشابًا ضارة تشوه صورة براءة الطفولة.