اعتقد علماء النفس أن قدرة الطفل على تأجيل إشباع رغباته هي مجرد مهارة فطرية أو قوة إرادة يولد بها لكن في عام (2012)، قلبت دراسة نفسية أجرتها الباحثة سيليست كيد في جامعة روتشستر هذا المفهوم رأساً على عقب، لتثبت أن الصبر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ الثقة، في هذه التجربة، قُسم الأطفال (في سن ما قبل المدرسة) إلى مجموعتين، الأولى: تم وضع الأطفال في بيئة غير موثوقة، حيث وعدهم الباحثون بإحضار أدوات رسم مميزة إذا انتظروا قليلاً، لكنهم عادوا واعتذروا بأنهم لم يجدوها، أما المجموعة الثانية فوضعت في بيئة موثوقة، حيث أوفى الباحثون بوعدهم وأحضروا الأدوات كما قالوا.
بعد ذلك، خضع جميع الأطفال لاختبار الصبر التقليدي: قطعة حلوى الآن، أو قطعتان إذا انتظرت (15) دقيقة، كانت النتائج صادمة؛ الأطفال في البيئة غير الموثوقة استسلموا وتناولوا الحلوى فوراً، حيث لم ينجح سوى طفل واحد من أصل (14) في الانتظار، في المقابل، أظهر الأطفال في البيئة الموثوقة قدرة هائلة على الصبر، ونجح أغلبهم في الانتظار للحصول على المكافأة الأكبر.
خلصت الدراسة إلى حقيقة تربوية جوهرية وهي أن الطفل لا يندفع نحو المكافأة الفورية لمجرد أنه عنيد أو يفتقر للسيطرة، بل لأنه قد يكون فاقداً للثقة في وعود المستقبل، إذا كان عالمه المحيط لا يفي بوعوده، فإن الخيار المنطقي لدماغ الطفل هو اغتنام اللذة الفورية المتاحة الآن، ومن هذا المنطلق التربوي يأتي هذا الاستطلاع لمناقشة هذه الحالة، ومعرفة الكيفية الدقيقة لندرب أبناءنا على إدارة رغباتهم الفورية ليقودوا مستقبلهم بنجاح؟
كيف تقيّم تأثير ضعف مهارة تأجيل الرغبات على الانضباط السلوكي والتحصيل الدراسي للطلاب المراهقين، وما هي الخطوة العملية الأهم التي تتخذها داخل المدرسة لتدريبهم على التحكم باندفاعاتهم؟
إجابة حازم عباس -مرشد تربوي-: "ألاحظ يومياً أن ضعف مهارة تأجيل الرغبات هو العدو الخفي للنجاح الأكاديمي والانضباط السلوكي، لأن المراهق اليوم محاط ببيئة رقمية تمنحه كل شيء بضغطة زر، مما يجعله يتوقع نفس السرعة في تحقيق النجاح الدراسي أو بناء العلاقات وعندما يواجه الطالب تحدياً يحتاج إلى دراسة مستمرة وجهد طويل الأمد، فإنه يشعر بالإحباط السريع، وذلك يقودة للتهرب من أداء الواجبات، أو اللجوء إلى الغش كطريق مختصر للنجاح الفوري، وسلوكياً نرى ذلك في الاندفاعية وسرعة الغضب والمبالغة في النزاعات مع الزملاء أو المعلمين"
وأكد: "ولمواجهة ذلك نعمل في المدرسة على تطبيق استراتيجية تجزئة الأهداف عبر تدريب الطلاب على وضع أهداف صغيرة أسبوعية مرتبطة بمكافآت مؤجلة حيث نرفض تلبية الطلبات الاندفاعية الفورية، ومحاولة ربط جهده الحالي بصورته المستقبلية، ليقتنع أن اللذة اللحظية التي يتنازل عنها اليوم هي ثمن نجاحه واستقلاليته غداً وهذا التدريج يعيد برمجة توقعاتهم ويعلمهم أن الإنجاز الحقيقي يحتاج إلى وقت".
عندما يصر طفلك بعناد على تلبية طلبه فوراً ويبدأ بنوبة غضب، ما هي الطريقة الفعالة التي تستخدمينها لامتصاص انفعاله وتعليمه فكرة الانتظار دون الرضوخ لمطلبه؟
أجابت أم محمد جواد -أم لطفل في عمر الخمس سنوات-: "التعامل مع نوبة غضب لطفل في الخامسة يصر على تلبية رغبته الآن هو تحدٍ يستنزف الطاقة، لكنني تعلمت مع الوقت أن ردة فعلي هي التي تحدد النتيجة النهائية، عندما يبدأ بالبكاء والعناد لأنه يريد الحلوى أو اللعبة فوراً، أدركت أن محاولة إقناعه بالمنطق في تلك اللحظة مستحيلة لأن مشاعره تكون هي المسيطرة تماماً، أول خطوة أقوم بها هي النزول لمستوى نظره والتحدث بنبرة هادئة جداً وحازمة، أقول له: "أنا أعرف أنك غاضب لأنك تريد اللعبة الآن، لكننا يجب أن ننتظر". أنا هنا لا أرفض مشاعره بل أحتويها، لكني أرفض بشدة السلوك الاندفاعي، السر الأكبر الذي اكتشفته هو استخدام المؤقت البصري، الأطفال في هذا العمر لا يستوعبون معنى كلمة بعد قليل، لذا أستخدم ساعة رملية صغيرة أو مؤقتاً، وأقول له: عندما ينتهي اللون الأحمر، سنحصل على ما نريد، هذا يحول الانتظار من فكرة غامضة إلى شيء ملموس يراه بعينيه والأهم من ذلك هو الثبات المطلق؛ لو رضخت ولو لمرة واحدة تحت ضغط بكائه المزعج، سيتعلم أن الصراخ هو مفتاح تلبية الرغبات لكن عندما ينجح في الانتظار والهدوء، أكافئه بمدح لتعزيز فكرة أن الصبر سلوك إيجابي يجلب له التقدير والمكافأة".
علمياً، ما هي الأسباب الجذرية التي تعيق تطور مهارة تأجيل إشباع الرغبات لدى بعض الأطفال، وما هو التدخل السلوكي الأساسي الذي تنصحين الآباء بتطبيقه في المنزل لبناء هذه المهارة في سن مبكرة؟
أجابت (ضحى العوادي) -المتخصصة في علم الاجتماع-: "من الناحية العلمية، يعود السبب الجذري لضعف قدرة الطفل على تأجيل إشباع رغباته إلى عاملين أساسيين: الأول عصبي نمائي يتمثل في عدم اكتمال نضج القشرة المخية الجبهية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية وضبط الانفعالات، والثاني بيئي وتربوي، وهو الأهم، التذبذب في ردود أفعال الوالدين يخلق فوضى إدراكية لدى الطفل؛ فعندما يرضخ الأهل لطلبات الطفل أحياناً لشراء الهدوء المؤقت، ويرفضونها أحياناً أخرى، يتعلم الدماغ تلقائياً أن المكافأة مرتبطة بزيادة درجة الإلحاح والغضب وليس بالصبر كما أن البيئة التي لا تفي بالوعود تجعل الطفل يميل بشراسة للمكافأة الفورية لفقدانه الثقة في المستقبل".
وأكدت: "إن التدخل السلوكي الأساسي والأكثر فعالية الذي أنصح به فهو تقنية الانتظار المتدرج المبني على الثقة، يبدأ الوالدان بطلب تأجيل الرغبة لفترات قصيرة جداً ومدروسة (مثلاً دقيقة واحدة)، ثم يتم تقديم المكافأة فور انتهاء الوقت المقرر والشرط الحاسم هنا هو حتمية الوفاء بالوعد؛ إذا قلت لطفلك ستحصل على الحلوى بعد ترتيب الغرفة، يجب أن تنفذ ذلك حرفياً وبدون تأخير إضافي، هذا التدخل البسيط والمستمر يعيد برمجة المسارات العصبية للطفل، حيث يبدأ الدماغ بربط مشاعر الإحباط المؤقتة (الانتظار) بنتيجة إيجابية ومضمونة، مما يبني مهارة ضبط النفس بأساس نفسي متين وخالٍ من القلق".
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري