كانت زوجتي تجلس في زاوية المشفى منهكة وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة، لا تكاد تشعر بمن حولها ولا تسمع سوى دقات قلبها المتسارعة تذرعت بالصبر وتظاهرت بالشجاعة بانتظار الكلمة التي سينطق بها الطبيب بعد ظهور نتائج الفحوصات.

في ذلك المساء، التصقت أذني بباب المختبر أتابع حركة الممرات وضجيج مكبرات الصوت وهي تتنقل من مكان إلى آخر بينما كانت روحي معلقة بين الخوف والرجاء، وقفت قرب الباب أسترق السمع إلى كلمات مبهمة وأصوات متداخلة حتى جاءت إحدى الممرضات لتخبرني أن الوقوف هنا ممنوع تراجعت مخذولاً لكن القلق أعادني إلى المكان ذاته.

وبعد انتظار طويل، خرج الطبيب المختص حاملاً النتيجة نظر إلينا بهدوء وقال: (النتيجة سلبية) أطرقت برأسي وشعرت بثقل الذنب يطبق على صدري فقد حصل ما كنت أخشاه إذ كنت أرفض ذهاب زوجتي إلى المركز الصحي خلال فترة الحمل لتلقي التطعيمات والمتابعات الدورية ظناً مني بأنني أحمي الجنين، بينما كنت أحرمه من أبسط وسائل الوقاية.

عندها أدركت متأخراً أن الجهل قد يكون أخطر من المرض نفسه وأن اللقاحات ليست إجراءً روتينياً فحسب، بل طوق نجاة يحمي الأمهات والأطفال من مخاطر يمكن تفاديها.

 

 الوقاية حياة

بين أبواب المستشفيات ودموع الآباء وقلق الأمهات، تبقى الوقاية هي الأمل الذي لا ينبغي التفريط به لأن جرعة لقاح قد تختصر سنوات من الألم والندم فعلى الرغم من التطور الفكري إلا إن بعض الفئات المجتمعية ما زالت تحمل مخاوف ومفاهيم خاطئة حول تطعيم الأطفال، (للقوارير) التقت الدكتورة أفراح عبد العباس حسن مديرة شعبة التحصين في دائرة صحة كربلاء المقدسة، لتسليط الضوء على أهمية اللقاحات وآثارها الإيجابية، فضلاً عن المخاطر التي قد تنتج عن إهمالها إلى جانب الدور المحوري للأم بدءاً من فترة الحمل وحتى متابعة جدول التطعيمات بعد الولادة.

استهلت الدكتورة أفراح حديثها قائلة: تساهم اللقاحات في تحفيز الجهاز المناعي للطفل ضد الامراض المستهدفة من خلال تكوين الأجسام المضادة في جسم الطفل وبالتالي حمايته من خطر الإصابة بالمرض أو مضاعفاته.

ومن أبرز الأمراض التي يمكن الوقاية منها عبر الالتزام بجدول اللقاحات هو مرض شلل الأطفال الذي يسبب الوفاة أو الإعاقة ومرض الحصبة ومضاعفاته مثل ذات الرئة الشديد والعمى والتهاب السحايا والخناق والكزاز والسعال الديكي وإلتهاب الأمعاء الحاد عند الأطفال.

وحول إن كان هناك تراجع بين الالتزام باللقاحات وعودة بعض الأمراض الوبائية أضافت: "نعم إن تراجع الالتزام باللقاحات يشكل خطراً على المجتمع و تهديداً في احتمالية عودة الأمراض مثل شلل الأطفال خاصة في مدينة كربلاء المقدسة التي تشهد سنوياً الزيارات المليونية من مختلف البلدان".

"أما الآثار الشائعة بعد التلقيح تكون مثل ارتفاع درجة الحرارة أو احمراراً وتورم مكان حقن اللقاح وهي آثار بسيطة تزول خلال يومين أما الآثار الجانبية الشديدة فهي نادرة جداً".

 

مخاوف خاطئة

وعن المخاوف أو المعلومات الخاطئة المنتشرة حول اللقاحات تابعت عبد العباس: "إن أغلب مخاوف اللقاحات هي إنها قد تسبب مرض التوحد عند الأطفال وهذا مفهوم خاطئ حيث أثبتت الدراسات والبحوث عدم صحة هذه المعلومة، كما إن عدم إكمال الجرع الخاصة بكل نوع من أنواع اللقاحات يحرم الطفل من الحصول على الحماية الكاملة من المرض لذلك يجب الالتزام بالجدول وحسب المواعيد المحددة".

 

وصايا الأم

وفيما يخص دور الأم خلال فترة الحمل لحماية الجنين عبر اللقاحات استرسلت الطبيبة بحديثها:

"ضرورة مراجعة المركز الصحي لإكمال اللقاحات الخاصة بالحامل لحماية الطفل لأن المناعة والأجسام المضادة المتكونة بعد أخذ الحامل للتطعيم تنتقل إلى جنينها عن طريق المشيمة وفي حال إهمالها تسبب احتمالية الإصابة بمرض الكزاز الولادي، لذلك أنصح بإكمال جدول اللقاحات فهو واجب على الأم والأب وحق من حقوق الطفولة".

 

الجدول الزمني

وفي ختام حديثها، أوضحت الدكتورة أفراح عبد العباس الجدول الزمني لتطعيم الأطفال، مبينة أن اللقاحات تُعطى وفق مواعيد محددة تبدأ منذ الأيام الأولى من عمر الطفل لضمان حمايته من الأمراض الخطيرة.

وأشارت إلى أن برنامج التطعيم يبدأ من اليوم الأول من الولادة وخلال الأسبوع الأول، ثم تتوالى الجرعات في أعمار شهرين وأربعة أشهر وستة أشهر وتسعة أشهر واثني عشر شهراً وثمانية عشر شهراً وصولاً إلى عمر أربع إلى ست سنوات.

وأضافت أن هذه المراحل تشمل مجموعة من اللقاحات الأساسية من بينها، لقاح التهاب الكبد الفيروسي ولقاح (BCG) ولقاح شلل الأطفال الفموي والزرقي واللقاح الخماسي واللقاح الثلاثي ولقاح المكورات الرئوية ولقاح الفيروس العجلي (الروتا) ولقاح الحصبة المنفردة والحصبة المختلطة.

وفي رسالة وجهتها إلى الأهالي قالت الدكتورة: "إن التزام الأسرة بمواعيد اللقاحات لا يحمي الطفل فحسب بل يسهم في بناء مجتمع أكثر صحة وأماناً فاللقاح هو درع وقائي يرافق الطفل منذ خطواته الأولى في الحياة وتأخيره أو إهماله قد يعرضه لمخاطر يمكن الوقاية منها بسهولة لذلك، أدعو جميع الآباء والأمهات إلى جعل بطاقة اللقاح رفيقة دائمة لأطفالهم فكل جرعة تعطى في موعدها هي خطوة نحو مستقبل أكثر أمناً وطمأنينة لأبنائنا".