إنَّ المتأمّل في خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) يدرك أنّها لا تقتصر على جانب دون آخر، لا سيّما في زيارة الأربعين التي تُعدّ من أكبر التجمّعات البشرية السنوية في العالم؛ إذ يتوافد الملايين من الزائرين إلى مدينة كربلاء المقدسة لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، ومع هذا التجمّع البشري الهائل تظهر الحاجة الماسّة إلى المنظومة الصحية لتقديم الرعاية المتكاملة للزائرين، والحفاظ على سلامتهم، وتوفير الخدمات العلاجية والوقائية في مختلف الأماكن والظروف.

ومع تزايد أعداد الزائرين من عام إلى آخر، ومن مختلف بلدان العالم، أصبحت الرعاية الصحية في زيارة الأربعين نموذجًا فريدًا للتكافل الإنساني والعمل المؤسسي والتوعوي، حيث تتضافر الجهود وتتكاتف المؤسسات والفرق الطبية التطوعية لتأمين الخدمات الصحية على طول طرق الزيارة وفي داخل المدن المقدسة؛ وذلك للحفاظ على سلامة الزائرين والإسهام في إنجاح زيارة الأربعين وتقليل المخاطر الصحية الناتجة عن العدوى وتغيّر الأجواء بالنسبة للوافدين من خارج البلاد.

ولا سيّما في السنوات الأخيرة التي تزامن فيها وقت الزيارة مع موسم الصيف، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى مجموعة من الأمراض والمضاعفات، أهمها ضربة الشمس ـ وهي الأخطر ـ والإنهاك الحراري والجفاف وحروق الجلد والطفح الجلدي، والتي تحدث بسبب فشل الجسم في تبريد نفسه أو فقدانه كميات كبيرة من السوائل والأملاح المعدنية، مما يزيد حاجة الزائرين إلى الرعاية الصحية.

وتعني الرعاية الصحية تقديم مجموعة من الخدمات الوقائية والعلاجية والإسعافية التي تُقدَّم للزائر قبل الزيارة وأثناءها، للحدّ من انتشار الأمراض أو تفاقم الحالات المرضية، لاسيما حالات انخفاض ضغط الدم ومستويات السكر؛ فالطقس الحار يؤثر بشكل مباشر في مستويات ضغط الدم والسكر في الجسم، مما قد يؤدي إلى انخفاضهما بصورة مفاجئة، وذلك نتيجة أسباب عديدة، منها:

التوسع الوعائي: إذ تتسع الأوعية الدموية في الأجواء الحارة لتبريد الجسم، مما يقلل المقاومة في الشرايين ويخفض ضغط الدم.

الجفاف: إذ يؤدي فقدان السوائل عبر التعرق إلى تقليل حجم الدم في الجسم، مما يسبب هبوطًا حادًا في ضغط الدم.

إضافة إلى العديد من الأمراض الأخرى التي تسهم الرعاية الصحية في علاجها، كالتشنجات العضلية وحالات التسمم وغيرها، الأمر الذي يُظهر الدور الكبير للرعاية الصحية في زيارة الأربعين، والذي يتجلى في جوانب عديدة، منها:

 

أولًا: حماية أرواح الزائرين

إنّ الازدحام الكبير والمشي لمسافات طويلة قد يؤديان إلى حالات الإعياء والجفاف والإصابات المختلفة، لذلك تسهم الخدمات الصحية في التدخل السريع وإنقاذ الأرواح.

 

ثانيًا: الوقاية من الأمراض الوبائية

تُعدّ التجمعات البشرية بيئة خصبة لانتقال الأمراض، ومن هنا تظهر أهمية حملات التوعية والتلقيح والرقابة الصحية في منع انتشار الأوبئة والأمراض المعدية.

 

ثالثًا: تعزيز الشعور بالأمان

إن وجود المفارز الطبية وسيارات الإسعاف والكوادر الصحية يمنح الزائرين شعورًا بالطمأنينة والثقة أثناء أداء الزيارة.

 

رابعًا: دعم الجهود التنظيمية

تساعد الرعاية الصحية في تقليل حالات الطوارئ والفوضى الصحية، مما ينعكس إيجابًا على تنظيم الزيارة وسيرها بصورة أكثر انسيابية.

 

أما مظاهر الرعاية الصحية في زيارة الأربعين فتتمثل في:

 

1- المفارز الطبية والعيادات المتنقلة

إذ تنتشر المفارز الطبية على امتداد طرق الزائرين، وتعمل على مدار الساعة لتقديم العلاج الفوري للحالات البسيطة والمتوسطة.

 

2- المستشفيات الميدانية

التي أُنشئت لاستقبال الحالات الحرجة والطارئة، إذ تتوفر فيها المستلزمات الطبية اللازمة لمعالجة تلك الحالات.

 

3- حملات التوعية الصحية

التي تطلقها الجهات المختصة، وتتضمن إرشادات وتوعية حول النظافة الشخصية وطرق الوقاية من الأمراض.

 

4- خدمات الإسعاف والنقل الطبي

التي توفرها العديد من المؤسسات لنقل المرضى والمصابين بسرعة إلى المستشفيات والمراكز الصحية.

وبذلك، فقد أسهمت الرعاية الصحية طوال السنوات الماضية بصورة واضحة في نجاح الزيارة وتحقيق مستويات عالية من السلامة الصحية، على الرغم من كثرة التحديات، ويتجلى ذلك في انخفاض معدلات الإصابات الخطيرة بفضل سرعة التدخل الطبي وانتشار المفارز الصحية، تقلصت نسبة المضاعفات الناتجة عن الحالات الطارئة، كما تسهم في الحدّ من انتشار الأمراض وتقليل احتمالية تفشي الأمراض المعدية بين الزائرين.

 

أيضاً تعمل هذه الاجراءات على تعزيز صورة التكافل الإنساني والتعاون والتضحية بين العاملين والمتطوعين، مما عكس صورة حضارية وإنسانية متميزة.

ومن خلال ما تقدم، ندرك أن الرعاية الصحية في زيارة الأربعين تمثل ركيزة أساسية في إنجاح هذه المناسبة الدينية الكبرى؛ لما تؤديه من دور فعّال في حماية الزائرين والمحافظة على سلامتهم، وقد أثبتت التجربة أن التكامل بين الجهود الرسمية والتطوعية قادر على مواجهة التحديات الصحية المرتبطة بالحشود المليونية، ولذلك فإن تطوير الخدمات الصحية والارتقاء بفاعليتها يُعد ضرورة مستمرة لضمان أداء الزيارة بصحة وسلام.