منذ سنوات، وقريبتي تدعوني لزيارة الموكب الذي يحمل اسم قريتها الصغيرة الواقعة في أطراف مدينة الحلة، ورغم أن موكبها الخدمي لا يبعد كثيرًا عن مكان سكني، لكنني في كل مرة كنت أتردد كثيرًا ولا تطاوعني نفسي للذهاب لرؤيتها؛ تفاديًا للإحراج وتحسبًا لوجود عدد كبير من الرجال في الموكب، ولم يدرُ في خلدي أن أم علي ـ وهذا هو اسمهاـ هي صاحبة الموكب وتديره بنفسها بصحبة عدد من نساء القرية، ولا وجود للرجال بينهن إلا للضرورة القصوى، وهو أحد المواكب الخدمية على طول الطريق المؤدي إلى كربلاء.

أم علي هي واحدة من نساء كثيرات نذرن أنفسهن وما يملكن من أموال في خدمة زوار أبي الشهداء عليه السلام في الزيارة الأربعينية، وتدير الواحدة منهن مواكب خدمية ضخمة، إما في العلن أو من وراء حجاب، وهذه نماذج من نساء عرفتهن عن قرب، وعرفت تفاصيل حياة البعض الآخر منهن من الأقارب والمعارف، ولكل واحدة منهن قصة وحكاية.

 

أم علي

أم علي، وكما نطلق عليها باللهجة الشعبية الدارجة، امرأة «زلامية» في العقد السادس من العمر، إلا أنها بفضل خدمتها وحبها للإمام الحسين (عليه السلام) تبدو وكأنها ابنة الأربعين، وتثبت للجميع دومًا أن العمر مجرد رقم، ولطالما جسدت عبر خدمتها قوة الإيمان بالقضية الحسينية وروح التضحية.

تقول أم علي: «من نعم الله تعالى عليَّ وفضله الكبير أنني قررت قبل ثلاث سنوات أن يكون لي موكب خدمي خاص بي، تساعدني فيه قريباتي من النساء؛ من أخواتي وبناتي وزوجات أولادي وبعض نساء القرية، فنحن، ولله الحمد، عائلة كبيرة، وقد تفضل الله تعالى علينا بنعم كثيرة، وبالشكر والولاء لآل رسول الله (صلى الله عليه وآله) تدوم النعم وتكثر الخيرات، وقد رأيت ذلك بنفسي منذ أن قررت أن أخدم زوار أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

لذلك اخترت مكانًا استراتيجيًا في مركز مدينة الحلة، عند تقاطع معروف يُعد نقطة التقاء للزوار من شتى المحافظات، وكل ما أقدمه هو من أموالي الخاصة، من دون أي تمويل خارجي، سوى مساعدة من أولادي الذين يقومون بنصب الموكب وتوصيل مستلزمات الخدمة من طعام وفُرش لاستراحة النساء وللصلاة، وليس للمبيت، فنحن بنات عشائر ولا نسمح بمبيت النساء في المواكب، لذلك أعود إلى منزلي في نهاية النهار وبرفقتي عدد من الزائرات، وأتولى رعايتهن والوقوف على خدمتهن حتى صباح اليوم التالي».

قلت لها: ألا تشعرين بالتعب والإجهاد وأنت تخدمين الزوار وتواصلين الليل بالنهار طوال أكثر من عشرة أيام؟

قالت، وفي صوتها نبرة من الحزن: «هي أيام معدودات في كل عام، وبالتأكيد لا أشعر بالتعب الجسدي بقدر ما أشعر بالراحة النفسية».

ودعتها ورأيت على محياها ابتسامة زهو وفخر، ولسان حالها يقول:

«لا عذب الله أمي إنها شربت حب الوصي وغذتنيه باللبن».

 

أم منتظر

لطالما ساعدت النساء في استقبال الزائرين من شتى المحافظات، وغالبًا ما يعملن من وراء السواتر والحجب، من حيث إعداد الطعام وتنظيف المواكب والحسينيات، في وقت تحظى فيه الزيارة الأربعينية بمشاركة نسوية كثيفة أثبتت استقلالية المرأة في أداء هذه الشعائر دون حرج؛ إحياءً لذكرى جبل الصبر السيدة زينب (عليها السلام) ودورها الرسالي والتضحيات التي قدمتها في الثورة الحسينية.

وهذه إحدى التجارب النسائية الواقعية التي جرت أحداثها على درب الحسين (عليه السلام).

أم منتظر، وهي سيدة في أواخر الثلاثينيات من العمر، عرفتُ من أحد المقربين أنها تقود من وراء الستار موكبًا خدميًا يُشار إليه بالبنان على طريق المشاية، فهي التي تخطط وتوجه وتصنع الطعام وتتولى شراء المؤونة كافة من جيبها الخاص.

التقيت بها قبل أيام، وتحدثنا عن نوع الخدمة التي تقدمها أيام الزيارة الأربعينية، فقالت: "منذ أن كنت صغيرة وأنا أرافق أمي ـ رحمها الله ـ كظلها في المجالس الحسينية وفي زياراتها المعتادة لأئمة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، حتى أصبح حب الحسين (عليه السلام) وكأنه يجري في دمي، وهو حب فطري وعفوي دون تكلف أو رياء.

وبعد زواجي لم أُرزق بطفل، وبقيت ثلاث سنوات أنتظر دون جدوى، حتى نصحتني إحدى المقربات أن ألتزم بقراءة زيارة عاشوراء أربعين صباحًا، والحمد لله، وقبل أن تنتهي الأربعون يومًا حقق الله أمنيتي ببركة الإمام الحسين (عليه السلام)، ورُزقت بطفلي الأول وأسميته حسينًا، ثم الثاني والثالث.

وما إن كبر أولادنا حتى قررنا أنا وزوجي أن يكون لنا موكبنا الخاص، على أن أقوم بتمويله من جيبي الخاص وأتولى أداء جميع المهام التي تقوم بها النساء من طبخ وتحضيرات وتنظيف، فيما يتولى زوجي استقبال الزوار وتوزيع الطعام، وهذا الأمر يتطلب مني بالتأكيد طلب إجازة طويلة من موقع عملي والتفرغ للخدمة في الموكب منذ الصباح الباكر وحتى حلول المساء، ونبتهل إلى الله دومًا أن يتقبل منا هذا القليل».

 

أم عباس

وبعيدًا عن المواكب الخدمية، تستقبل أم عباس عشرات الزائرين في منزلها المتواضع في منطقتها الشعبية، وقصتها مع الخدمة الحسينية تكاد تكون مختلفة.

تقول أم عباس: "منذ أن اكتشفت إصابتي بالمرض العضال، وما إن تماثلت للشفاء، دعوت الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لي الأسباب لخدمة سيدي ومولاي الإمام الحسين (عليه السلام) وكنت حينها أسكن في غرفة صغيرة مع عائلة زوجي، وما هي إلا سنوات قليلة حتى حظيت بمنزل واسع، وبدأت رحلة خدمة الحب والولاء لسبط رسول الله (صل الله عليه وآله)، فأستقبل يوميًا، وعلى مدار أيام الزيارة، عشرات العوائل من النساء والرجال من مختلف المحافظات، وأقوم بخدمتهم والسهر على راحتهم حتى الصباح.

والحمد لله، منَّ الله عليَّ برحمته وشُفيت تمامًا من المرض، وهي من بركات الإمام الحسين (عليه السلام) فأنا نذرت نفسي وصحتي وعائلتي فداءً للإمام، وهي بلا شك لا تساوي قطرة في بحر أمام تضحيات أئمتنا الأطهار ومعاناة السيدة زينب (عليها السلام) وبطولاتها العظيمة في واقعة الطف».