قبل أن يجف حبر آخر كلمة في «مصحف ثمرة الأربعين»، كان زائر سوري يقطع المسافات وفي قلبه أمنية واحدة، وهي أن يترك أثرًا له في هذا المصحف الذي خطّته أنامل الزائرين من مختلف البلدان، وصل متأخرًا، وكان كل شيء يوحي بأن الفرصة قد ضاعت، لكن القدر خبّأ له مكانًا صغيرًا بين السطور، فخلال التدقيق النهائي للصفحات من قبل القائمين على المشروع، عُثر على جزء من آية لم يُكتب بعد، أمسك الزائر القلم وخطّ الكلمات الأخيرة، ودموعه تنساب مع الحبر، كانت الآية تقول: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، عندها قال متأثرًا: "ألا والله إن طريق الإمام الحسين (عليه السلام) هو طريق الجنة".

هذه الحكاية واحدة من مئات الحكايات التي وُلدت بين صفحات "مصحف ثمرة الأربعين"، ذلك المشروع الذي حوّل أقلام الزائرين إلى جسر يجمع القرآن بالإمام الحسين (عليه السلام)، وجعل من كل صفحة شاهدًا على إيمان كُتب بالحبر وحُفظ في القلوب.

 

نسخة متحفية

وللحديث عن مشروع "مصحف ثمرة الأربعين بأنامل الزائرين"، أجرت مجلة (للقوارير) لقاءً مع مسؤول وحدة التصاميم والنماذج القرآنية في المجمع العلمي للقرآن الكريم التابع للعتبة العباسية المقدسة، الأستاذ مرتضى مصطفى الأمين، الذي استهل حديثه قائلًا: "مشروع "مصحف ثمرة الأربعين بأنامل الزائرين" هو مبادرة قرآنية أطلقتها العتبة العباسية المقدسة بإشراف وتنفيذ من مركز طباعة المصحف الشريف في المجمع العلمي للقرآن الكريم، تتمثل المبادرة بتمكين الزائرين أثناء مسيرهم إلى كربلاء المقدسة في زيارة الأربعين لزيارة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) من كتابة آيات القرآن الكريم بأيديهم على مصحف مطبوع بدرجة لونية خفيفة، إذ تظل الكلمات الأصلية مرئية بشكل مائي خافت، وعند اكتمال كتابة المصحف يُجمع ويوثق كنسخة متحفية، مجسدًا ارتباط الزائرين بكلمات القرآن الكريم وتعميق تجربتهم الإيمانية أثناء مراسم الزيارة».

وأضاف: "يُعد هذا المصحف فريدًا من نوعه؛ كونه لم يُكتب من قبل شخص واحد كما هي العادة الجارية في كتابة المصاحف، بل يشارك آلاف الزائرين في كتابته، وجاءت فكرة المشروع لاستثمار الأجواء الإيمانية للزيارة الأربعينية المليونية وربط حركة الزائرين بالقرآن الكريم".

 

الهدف الروحي

وأكد الأمين أن الهدف الروحي من تفعيل هذا المشروع هو تعزيز الثقافة القرآنية بين أوساط المجتمع، وتنويع التغذية المعرفية للزائرين الوافدين إلى مدينة كربلاء المقدسة، وتعميق الارتباط الروحي بين الزائر وكتاب الله المجيد، وترسيخ فكرة أن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هي امتداد لرسالة القرآن الكريم وقيمه.

كما شهدت المبادرة تفاعلًا واسعًا من الزائرين العراقيين والأجانب، إذ وصل عدد المشاركين إلى (1750) زائرًا وزائرة من جنسيات وبلدان مختلفة، مثلوا (16) بلدًا.

 

مشاهد مؤثرة

ومن أبرز المشاهد المؤثرة التي شهدها المشروع حرص الزائرين على كتابة الآيات رغم التعب وطول المسير، وتأثرهم نفسيًا ومعنويًا عند الكتابة بأيديهم لأول مرة، كما شارك الأطفال بكتابة جزء "عمّ" من المصحف؛ لإشراكهم في هذه التجربة الإيمانية.

ولم يقتصر المشروع على كتابة الآيات القرآنية فحسب، بل تضمن رسائل ثقافية قرآنية متعددة، منها التعريف بتاريخ كتابة المصحف الشريف وطباعته، وعرض نسخ المصاحف المطبوعة في العتبة العباسية المقدسة، وإقامة فقرات الخط الحي للقرآن الكريم، وهو نشاط يتضمن كتابة آيات قرآنية وأدعية بقلم خطاط المركز بشكل مباشر تُهدى للزائرين.

 

انطلاق الفكرة

وحول انطلاق المشروع لأول مرة، قال مرتضى:

"انطلقت فكرة المشروع بصورة واضحة خلال زيارة الأربعين عام (2022)م، حيث عُدّ أول مصحف يُكتب بأنامل الزائرين، ثم تطورت المبادرة بشكل ملحوظ من عام إلى آخر عبر زيادة أعداد المشاركين والمحطات في المشروع، مع تنظيم العمل الإشرافي والإحصائي من خلال برمجة تطبيق خاص لإجراء الإحصاءات الخاصة بالمشاركين بشكل دقيق وفوري".

وعن أهمية ربط أجواء عاشوراء والزيارة الأربعينية بالقرآن الكريم، تابع حديثه:

"إن ربط الزيارة الأربعينية بالقرآن الكريم يرسخ لدى الزائر أن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كان الهدف منها حفظ الدين وقيم القرآن الكريم، لذلك توسع المشروع من خلال توزيع ثلاث محطات على محاور الزيارة، هي: محور (النجف – كربلاء) قرب جامعة العميد، ومحور (بغداد