تُعدّ الزيارة الأربعينية واحدة من أكبر التجمعات البشرية والدينية في العالم، إذ تستقطب ملايين الزائرين من داخل العراق وخارجه سنويًا، بما تحمله من أبعاد إيمانية وروحية واجتماعية واسعة، ومع هذا الزخم الكبير تبرز تساؤلات قانونية مهمة تتعلق بحدود ممارسة الشعائر الدينية، ودور الدولة في تنظيمها، وآليات تحقيق التوازن بين ضمان الحريات الدستورية والحفاظ على النظام العام.

وللوقوف على أبرز الجوانب القانونية المرتبطة بهذه الشعيرة المباركة، كان لنا هذا الحوار مع الدكتورة حنين الربيعي، المتخصصة في القانون، للحديث عن الحدود القانونية لممارسة الزيارة الأربعينية، وأبرز التحديات التشريعية والتنظيمية التي ترافقها، فضلاً عن إمكانية سن قانون خاص ينظمها بما ينسجم مع أحكام الدستور ومتطلبات الواقع العملي.

 

أولاً: الدافع العلمي والعملي لاختيار الموضوع وأهمية الزيارة الأربعينية

ينبع اختيار موضوع الحدود القانونية لممارسة شعيرة الزيارة الأربعينية من اعتبارات علمية تتصل بندرة الدراسات المتخصصة التي تعالج هذه الشعيرة من منظور قانوني تحليلي، رغم اتساع نطاقها وتأثيرها المتشعب، كما يبرز الدافع العملي في كون الزيارة تمثل تجمعًا بشريًا ضخمًا يثير العديد من التساؤلات التنظيمية والقانونية المرتبطة بإدارة الحشود، وتقديم الخدمات، وضمان الأمن.

أما من حيث الأهمية، فإن الزيارة الأربعينية لا تقتصر على بعدها التعبدي، بل تمثل ظاهرة مركبة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وقانونية، حيث تتداخل فيها حقوق الأفراد مع واجبات الدولة، مما يستدعي تأطيرها قانونيًا بما يضمن ممارستها بصورة منظمة دون الإخلال بالنظام العام.

 

ثانيًا: مفهوم الحدود القانونية والأساس الدستوري

يمكن تحديد «الحدود القانونية» بأنها مجموعة القيود والضوابط التي يفرضها القانون على ممارسة الحقوق والحريات، بقصد تحقيق التوازن بين حرية الفرد ومتطلبات المصلحة العامة، وفي سياق الشعائر الدينية، تعني هذه الحدود تنظيم الممارسة بما لا يؤدي إلى الإضرار بالغير أو الإخلال بالأمن والصحة العامة.

أما الأساس الدستوري لحرية ممارسة الشعائر في العراق، فيستند إلى النصوص الدستورية التي تقر بحرية الفكر والعقيدة، وتكفل ممارسة الشعائر الدينية، شريطة عدم تعارضها مع النظام العام والآداب العامة، وهو ما يشكل الإطار الأعلى الذي تستند إليه التشريعات العادية.

وفيما يتعلق بمدى تغطية القوانين الحالية، فإن التنظيم القانوني للزيارة الأربعينية يتسم بالتجزئة، إذ يعتمد على نصوص متفرقة في قوانين متعددة، كقوانين الإدارة المحلية والصحة والنقل، دون وجود قانون خاص شامل ينظم هذه الشعيرة بصورة متكاملة.

 

ثالثًا: الإشكاليات القانونية والتوازن بين الحرية والنظام العام

تتمثل أبرز الإشكاليات القانونية في مسألة إدارة الحشود، والمسؤولية عن الحوادث، وتنظيم المواكب، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالخدمات العامة والتجاوز على الممتلكات أو الطرق، ويُعالج التعارض بين حرية ممارسة الشعائر ومتطلبات النظام العام من خلال مبدأ التناسب، بحيث لا تُفرض القيود إلا بالقدر اللازم لتحقيق هدف مشروع، مع الحفاظ على جوهر الحق في ممارسة الشعائر.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن القوانين النافذة، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى تطوير تشريعي، سواء عبر تعديل النصوص القائمة أم سن تشريع خاص يتلاءم مع خصوصية الزيارة الأربعينية.

 

رابعًا: دور الجهات الحكومية وتنظيم المواكب والمسؤولية القانونية

تضطلع الجهات الحكومية بدور محوري في تنظيم الزيارة، من خلال وضع الخطط الأمنية والخدمية، وإصدار التعليمات التنظيمية، والتنسيق بين الجهات المختلفة لضمان سلامة المشاركين، أما المواكب الحسينية، فينبغي إخضاعها لإطار قانوني واضح يتضمن إجراءات التسجيل والترخيص، وتحديد الالتزامات المتعلقة بالسلامة والصحة العامة.

وفيما يخص المسؤولية، فإن المنظمين يتحملون المسؤولية المدنية، وربما الجزائية، في حال وقوع ضرر نتيجة الإهمال أو التقصير، استنادًا إلى القواعد العامة في المسؤولية التقصيرية.

 

خامسًا: الثغرات القانونية ومستوى الوعي القانوني

لا تخلو المنظومة القانونية من ثغرات قد تؤدي إلى ضعف التنظيم، مثل غياب نصوص دقيقة تنظم بعض الجوانب العملية، أو ضعف آليات التنفيذ والرقابة، مما قد يُستغل في بعض الحالات، أما من حيث الوعي القانوني، فإنه لا يزال دون المستوى المطلوب لدى شريحة من المشاركين، حيث يغلب الطابع العفوي على الممارسة، الأمر الذي يستدعي تعزيز الثقافة القانونية من خلال التوعية والإرشاد.

 

سادسًا: مدى إمكانية سن قانون خاص بالزيارة الأربعينية وأبرز ملامحه

لا يوجد مانع قانوني أو دستوري من سن تشريع خاص ينظم الزيارة الأربعينية، بل إن مقتضيات الواقع العملي وكثافة المشاركين فيها تبرر التدخل التشريعي لتنظيمها، ويستند ذلك إلى مبدأ كفالة حرية ممارسة الشعائر الدينية، مع جواز تقييدها تنظيمًا لا تعطيلًا، بما يحقق النظام العام.

ومن أبرز الملامح التي يمكن أن يتضمنها هذا القانون:

1- تحديد الجهة الإدارية المختصة بإدارة وتنظيم الزيارة وتنسيق الجهود بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.

2-  وضع ضوابط لتنظيم حركة الزائرين، بما يشمل النقل والإقامة والخدمات الصحية والأمنية.

3-  تقنين دور المواكب والهيئات الدينية من حيث التسجيل والإشراف والالتزام بالمعايير الصحية والبيئية.

4-  إقرار قواعد للمساءلة القانونية في حال الإخلال بالنظام العام أو تعريض السلامة العامة للخطر.

5-  ضمان حماية حقوق الزائرين، بما في ذلك الحق في السلامة الجسدية وتلقي الخدمات الأساسية.

 

سابعًا: التوفيق بين الروحانية والتنظيم القانوني الصارم

إن التنظيم القانوني لا يتعارض بطبيعته مع البعد الروحي للشعائر، بل يمكن أن يكون وسيلة لحمايتها من الفوضى أو الاستغلال، فالقانون، إذا صيغ بطريقة متوازنة، يهدف إلى تهيئة بيئة آمنة ومنظمة تمكّن الزائر من أداء الشعيرة بخشوع واطمئنان.

ويتحقق هذا التوازن من خلال اعتماد مبدأ «التنظيم المرن»، الذي يراعي خصوصية الشعائر الدينية، ويبتعد عن الإفراط في القيود الشكلية، مع التركيز على الجوانب الخدمية والتنظيمية دون التدخل في المضمون العقائدي أو الطقوسي.