من داخل أزقة كربلاء التي تضج بالزائرين، يمتزج صوت أذان المغرب برنين كؤوس الشاي الحسينية التي تتعطر برائحة الهيل، بينما يتصاعد دخان قدور (القيمة) معانقاً سماء كربلاء التي تتصبب عرقاً وحباً للخدمة، يقف طفلٌ يبلغ من العمر عشر سنوات، يحمل بيديه الصغيرتين كؤوس الماء الباردة، ويهرول مسرعاً بين الزائرين لتقديم الماء المنعش، فكل كأسٍ يصاحبها ابتسامة أعذب من الماء نفسه، وترتفع الأصوات منادية: (هلا بزوار الحسين.. هلا بريحة الحسين)، (تفضل يا زائر، تفضل يا زائر).
هذا ليس مشهداً عادياً في أحد الأفلام السينمائية، بل هو مشهد يجسد الكرم والعطاء اللذين يزينان كربلاء في كل عام من هذا الشهر، فالحب والعشق الحسينيان يزدادان ولا يبيدان، تخلع كربلاء زيها اليومي المعتاد لترتدي لباس الحزن والإيثار، وتتحول إلى قلبٍ يضخ العاطفة والخدمة في عروق الملايين.
محمد علي شاب يقف ليعطي الماء للزائرين يقول: (الخدمة شرف المحب).. فعندما يخدم المؤمن في شهر محرم الحرام ـ الشهر الذي كل شيء يكون على حب الحسين (عليه السلام) ـ فإنه يخدم بقلبه قبل يده، وبإيمانه قبل صوته، إنها الخدمة النابعة من عقيدته الراسخة التي انعقدت عليها جوارحه؛ فالعاشق لم يُخلق من ترابٍ وماءٍ عاديين، بل جُبلت طينته من تراب أرض كربلاء، ونبضت عروقه بدم الخدمة لأهل البيت (عليهم السلام).
ومن هذا المزيج القدسي، خُطَّ في سويداء قلبه شرف الخدمة، التي تجسدت واقعاً على أرض الحسين (عليه السلام).
يقول أبو علي، وهو صاحب موكب (أهل الحق) لأهالي كربلاء وأكبر أفراده سناً: لنا الشرف في تقديم الخدمة لزائري أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، إن التعب يزول بمجرد أن يدعو لنا الزائر بالتوفيق والرزق، فهذه الكلمات كفيلة بملء قلوبنا بالسعادة، وتمنحنا دافعاً نحو المزيد من العطاء، وعلى الرغم من أننا لا نمتلك مستودعات عملاقة أو ميزانيات ضخمة، إلا أن بركة الحسين (عليه السلام) هي التي تملأ القدر وتطعم الملايين، فالخدمة شرف يتنافس عليه أهالي هذه المدينة المقدسة) وإذا كان أبو علي يمثل شريان العطاء المحلي في هذه المدينة التي لطالما كانت ملتقى الملايين من مختلف أنحاء العالم، حيث تذوب الجنسيات والفوارق عند أعتابها معلنةً هويةً واحدة هي هوية الحسين (عليه السلام)، فإن القادمين إليها يصبحون أصحاب الدار، فكربلاء والحسين فكرة، والفكرة لا تموت.
الحسين وكربلاء.. فكرة لا تموت
تقف (زهراء هادي)، وهي زائرة من لبنان، تتأمل الزائرين والخدام وتقول: في كل عام من شهر محرم نأتي إلى هنا لزيارة سيد الشهداء، سبط رسول الله الإمام الحسين بن علي وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، حيث تعود بنا الذاكرة إلى الواقعة التي جسدت معنى الدفاع عن الحق في مواجهة الظلم والجور، فالحسين وكربلاء ليسا مجرد شخصية وحدث تاريخي، بل فكرة جسدها الحسين (عليه السلام)، وكربلاء هي موطن هذه الفكرة، والأفكار بطبيعتها لا تموت، بل تُحفر في العقول، وما نراه في هذه الشوارع من عطاء وجهد وحب هو أكبر دليل على أن هذه الفكرة تكبر وتتجدد في كل عام، فهي تزيد ولا تبيد، وإن جسد الحسين (عليه السلام) وإن كان قد غاب، إلا أن روحه وفكره هما من يديران هذه الحشود اليوم).
وتكمل زهراء:
(القضية الحسينية هي درس في الثبات والدفاع عن الحق، وقد قدمت للبشرية أروع الدروس والعبر في الحرية ورفض الظلم. فكربلاء تعلمنا أن الحق لا يحتاج إلى جيوش ليخلد، بل إلى قلوب صادقة تحمله منهجاً للحياة).
ختاماً
من موكب (أبو علي) الذي يقوم على بركة الحسين (عليه السلام)، وصولاً إلى (زهراء) التي تعبر عن حبها ورؤيتها وفهمها للقضية الحسينية، يبقى نبض الشارع الكربلائي شاهداً حياً على أن كربلاء ليست مجرد مدينة تستقطب الملايين، بل هي مدرسة تقدم قيم التضحية والإيثار والكرم، وتغرس مبادئ العطاء والمحبة في نفوس زائريها ومحبيها.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري