في كل مكان، تتدفق المقاطع القصيرة التي يتسمّر أمامها معظم البشر اليوم، يمررون إبهامهم عليها فتنطلق كعجلة لا تتوقف، تدسّ السمّ في الفكر، وتحقن في أوردة الوعي والمعتقدات الاجتماعية والدينية صورًا وعبارات قد لا تُذكر بعد دقائق من إغلاق الهاتف، لكنها تفعل شيئًا أخطر من ذلك؛ إنها تعيد تشكيل بنية الذات والمجتمع، إذ تُبعد معايير العصر الحالي الإنسان عن بساطته الروحية الأولى التي جُبل عليها.

في مقطع ما، تعرض إحداهن صورة أساور ذهبية وتكتب: «هل جرّبتِ أن تحتاري بين أسورتين من الذهب، ثم يخبرك زوجك أنه يمكنك أخذ الاثنتين معًا؟»، وفي مقطع آخر، يخبرك إعلان ممول لمجمع سكني أنك إن لم تجرّب رفاهية العيش فيه، فإن الكثير قد فاتك، وغيرها من الرسائل التي تتكرر كل يوم بصور مختلفة.

كل شيء حولك يُشعرك بالدونية والاحتقار الذاتي، ويخبرك بطريقة غير مباشرة كم أنك تملك القليل، لا يعود لما لديك قيمة تُذكر أمام هذا السيل من الرفاهية المعروضة، تصبح المبادئ الراسخة وحدها غير كافية؛ لأنها لا تمنحك ذهبًا، ولا عقارًا، ولا سيارات فارهة، ولا موائد مترفة، ترفع إبهامك أخيرًا، ثم تنظر حولك، فلا يعجبك البيت الذي يؤويك، ولا يروق لك طلاؤه أو مساحته، ويصبح أثاثك المتواضع باعثًا على الضيق، وتتساءل: ما قيمة المودة والرحمة في بيت لا توجد فيه مكنسة روبوتية؟

 

قد لا يخطر ببال المرء أن كل ما سبق يمكن أن يرتبط بيوم الأربعين من صفر وما يسبقه من تصرفات مارسها الناس منذ سنوات خلت، لكن الصلة بين العالمين وثيقة، والاختلاف بينهما شاسع، إن زيارة الأربعين سفر الروح قبل الجسد؛ تعيد الإنسان إلى بساطته الأولى وفطرته السليمة، فيها يتجرد من كثير مما اعتاد التفاخر به، ويترك خلفه مظاهر الراحة والترف، ثم يشرع بخطوته الأولى على طريق طويل وشاق، لا أجهزة تكييف، ولا استجمام، ولا وسائل رفاهية، إنها مشقة جسدية تحمل في طياتها تطهيرًا للنفس، وتزيل شيئًا من أوهام الجاه والمفاخرة.

إن الفصل بين العالمين؛ عالم الحداثة بكل مظاهره الزائفة، وعالم الأربعين الحقيقي، ينبغي ألّا يمنعنا من الانتباه إلى خطر تمازجهما بصورة مقنّعة وغير محسوسة، فلا تتحول شعيرة المشي إلى أداة تخدم مصالح ذلك العالم المظهري، إذ يجدر بالإنسان أن يستعيد روحه الأصيلة، فيسير سير القلب والروح إلى صاحب المقام الرفيع، شهيد كربلاء الإمام الحسين (عليه السلام)، فلا يوثّق كل لحظة، ولا يفاخر، ولا يبالغ في ملبسه ومأكله ومتعه، بل يتأمل في خطوات قدميه، وفي قراره بالتخلي مؤقتًا عن بيته وأهله، وكيف يعيد ذلك ترتيب أولوياته الداخلية، وكيف يكون ذلك الدرب طريق العودة إلى النفس؛ إذ يُنهك الجسد وتُسلب الراحة، فينكسر كبرياء المرء، وتُغذّى روحه برحلة التطهير والتنقية.

الأربعين في جوهرها ثورة على الأنا، وهذا ما يجعلها استثنائية بين شعائر العالم، فالخطوة الواحدة فيها بقلب حاضر تساوي ألف كيلومتر بقلب غائب، وفي ذلك الطريق يتساوى الناس على نحو نادر؛ فالجميع يسيرون بالحال ذاتها، لا يسبق أحدٌ الآخر بسيارته الفارهة، ولا يتميز شخص بمظهره أو ماله، هناك يتراجع كل ما صنعته الطبقات الاجتماعية الحديثة، ويبقى الإنسان بحالته المجردة، يمشي نحو غاية واحدة، مستعيدًا شيئًا من نقائه الأول الذي كاد يضيع وسط ضجيج العالم.