في قضاء عين التمر غرب محافظة كربلاء، تسكن نادية، الحافظة الكفيفة التي اختارت أن ترى بنور القرآن ما عجزت العين عن رؤيته، لم يكن فقدان البصر نهاية الطريق في حياتها، بل كان بداية رحلةٍ أعمق مع كتاب الله، رحلةٍ صنعت منها مثالًا يُحتذى في الصبر والإصرار والثقة بالله، في هذا الحوار، تفتح نادية قلبها لتروي لنا محطات من مسيرتها القرآنية، ومشاركتها في مسابقة مشروع التحفيظ الوطني العاشرة للقرآن الكريم.


- بدايةً، نودّ أن نرحّب بكِ… حدّثينا عن نفسكِ، ومتى بدأتِ رحلتكِ مع القرآن الكريم؟

شكرًا لكم على هذا الترحيب الطيب، أنا نادية، من قضاء عين التمر في محافظة كربلاء، بدأت رحلتي مع القرآن الكريم منذ الصغر، إذ كانت أسرتي حريصة على تعليمي القرآن وتشجيعي على حفظه، فكان القرآن رفيقي الأول، ومصدر قوتي منذ طفولتي.


- فقدان البصر تحدٍّ كبير، كيف تعاملتِ معه في مسيرتكِ الحياتية، وماذا غيّر القرآن في داخلكِ؟

فقدان البصر كان تحديًا كبيرًا بلا شك، لكنني آمنت أن الله لم يخلقني عبثًا، وأن لي رسالة ينبغي أن أؤديها، القرآن غيّر في داخلي الكثير؛ منحني الصبر والثقة بالنفس، وجعلني أدرك أن البصيرة أهم من البصر، وأن نور القلب أعظم من نور العين.

 

- متى اتخذتِ قرار حفظ القرآن كاملًا، وما الدافع الحقيقي الذي قادكِ إلى هذا القرار؟

اتخذت قرار حفظ القرآن كاملًا قبل نحو عشر سنوات، وكان دافعي الأكبر هو التقرب إلى الله، وتحقيق حلم طالما سكن قلبي بأن أكون حافظة لكتابه الكريم.

 

- ما الأساليب التي اعتمدتِها في الحفظ والمراجعة بصفتكِ كفيفة؟ وهل واجهتِ صعوبات خاصة في البداية؟

اعتمدت على الاستماع المتكرر للقرآن الكريم، مع تركيز عميق على الآيات والسور التي أحفظها، كما استعنت ببرامج خاصة للمكفوفين تساعدني على قراءة القرآن بطريقة برايل، في البداية واجهت صعوبات في التركيز والمراجعة، لكنني لم أستسلم، ومع الوقت أصبحت المراجعة جزءًا من يومي وروحي.

 

- كيف ترين نعمة البصيرة مقابل فقدان البصر، وماذا تعلّمتِ من القرآن في هذا الجانب؟

أرى أن نعمة البصيرة أعظم من نعمة البصر؛ فهي التي تمنحني فهم القرآن وتدبره، تعلمت من القرآن أن الصبر والثقة بالله مفتاحا النجاح، وأن الابتلاء قد يكون بابًا لرفعةٍ لم نكن لندركها لولاه.

 

- ما الشعور الذي يرافقكِ وأنتِ تشاركين في مسابقة مشروع التحفيظ الوطني العاشرة للقرآن الكريم؟

أشعر بالفخر والامتنان، وأحمد الله أن بلغني هذه المرحلة لأقف وأتلو كلامه أمام الجميع، المشاركة بحد ذاتها إنجاز أعتز به، وهي ثمرة سنوات من التعب والمثابرة.

 

- هل واجهتِ لحظات إحباط أو تعب خلال مسيرتكِ القرآنية؟ وكيف تجاوزتِها؟

نعم، مررت بلحظات إحباط وتعب، لكنني كنت أذكّر نفسي دائمًا بأن الله معي، وأنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا، دعم أسرتي ومحيطي الاجتماعي كان له أثر كبير في تجاوز تلك اللحظات.

 

- ما دور الأسرة أو المحيط الاجتماعي في دعمكِ خلال رحلة الحفظ؟

كان دورهم أساسيًا ومحوريًا؛ شجعوني باستمرار، ودعوا لي بالتوفيق، ووفّروا لي الأجواء المناسبة للحفظ والمراجعة، فكانوا سندي بعد الله في هذه الرحلة.

 

- أي آية أو سورة تشعرين بأنها الأقرب إلى قلبكِ، ولماذا؟

الآية الأقرب إلى قلبي هي: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، لأنها تذكرني أن القراءة والتعلم هما مفتاح النجاح، وأن رسالة الإنسان تبدأ بكلمة "اقرأ" مهما كانت ظروفه.

 

- برأيكِ، كيف يسهم القرآن الكريم في تمكين ذوي الهمم وبناء ثقتهم بأنفسهم؟

القرآن يمنح الإنسان طاقة روحية عظيمة، ويزرع في داخله الصبر والثقة، هو رسالة لكل ذوي الهمم بأنهم قادرون على الإنجاز والعطاء، وأن قيمتهم فيما يحملونه في قلوبهم وعقولهم.

 

- ما الرسالة التي تودّين توجيهها لكل من يظن أن الإعاقة عائق أمام تحقيق الإنجاز؟

رسالتي أن الإعاقة ليست في الجسد، بل في الاستسلام واليأس، متى ما وُجد الإيمان والإرادة والدعم، يصبح المستحيل ممكنًا، ويصبح الإنجاز حقيقة.

 

- أخيرًا، ما طموحاتكِ المستقبلية بعد هذه المشاركة، وهل تفكّرين في تعليم القرآن لغيركِ؟

أطمح أن أكون معلمة للقرآن الكريم، وأن أساهم في نشره وتعليمه، وأن أكون قدوة لذوي الإعاقة في تحقيق الإنجازات، ليعلموا أن نور القرآن كفيل بأن يضيء لهم كل الدروب.

هكذا تمضي نادية في حياتها، تمسك بالمصحف ببصيرتها، وتكتب سطور نجاحها بإيمانٍ راسخ بأن من تمسّك بالقرآن، أبصر الطريق… وإن فقد البصر.