يشكّل شهر رمضان محطة سنوية لا تقتصر على البعد الروحي والعبادي فحسب، بل تمتد آثارها لتشمل الجوانب الصحية والنفسية للإنسان، ويؤكد مختصون في الطب النفسي أن الصيام يمكن أن يتحول إلى أداة فعالة لإعادة تنظيم السلوك وتعزيز الاستقرار المزاجي، إذا ما أُحسن التعامل مع متطلباته الجسدية والنمطية.

وفي هذا الإطار، يوضح جاسم محمد الموسوي، استشاري الطب النفسي والتدريسي في جامعة وارث الأنبياء، أن الصيام يفرض مجموعة من التغيرات الفسيولوجية التي قد تنعكس مؤقتاً على المزاج، لكنها في الوقت نفسه تتيح فرصة لإعادة ضبط الإيقاع النفسي والسلوكي.

 

تغيرات فسيولوجية قد تؤثر على المزاج

يشير الموسوي إلى أن الامتناع عن الطعام والشراب لساعات طويلة يؤدي إلى انخفاض مستوى الغلوكوز في الدم، خاصة في الفترة ما بين العصر والمغرب، وهو ما قد يترافق مع أعراض قلق أو انزعاج أو انخفاض عابر في المزاج، ويضيف أن اضطراب مواعيد النوم خلال رمضان يمثل عاملاً مهماً في زيادة التوتر النهاري، نتيجة اختلال الساعة البيولوجية وعدم انتظام أوقات السحور والإفطار.

 

الكافيين… سلاح ذو حدين

ومن بين العادات الشائعة في رمضان الإفراط في تناول المنبهات بعد الإفطار، مثل القهوة والشاي، لتفادي الصداع والخمول، إلا أن الموسوي يحذر من أن هذه الممارسة قد تعطي نتائج عكسية، خصوصاً لدى من يعانون من اضطرابات القلق، إذ قد تزيد الأعراض الانسحابية نهاراً، ويوصي بالاكتفاء بكوب واحد بعد الإفطار وتجنب الجرعات العالية.

ويختصر هذه الفكرة بقاعدة يصفها بالذهبية: “النوم في الليل يساوي المزاج في النهار”، في إشارة إلى أن النوم الليلي الكافي والمنظم ينعكس مباشرة على التوازن النفسي أثناء الصيام.

 

الصيام كتمرين على المرونة النفسية

لا يقتصر أثر الصيام على الجانب الجسدي، بل يُعد تدريباً عملياً على ضبط النفس وإدارة الرغبات، فالشهر الفضيل، بحسب المختصين، يوفر بيئة مناسبة لتعزيز تقدير الذات، وتنمية الوعي السلوكي، والابتعاد عن أنماط سلبية مثل الغضب والغيبة والنزاعات الاجتماعية، وهي سلوكيات تستنزف الطاقة النفسية.

 

مؤشرات علاجية واعدة

ومن واقع الممارسة السريرية، يلفت الموسوي إلى ملاحظة تحسن لدى عدد من مرضى القلق والاكتئاب خلال شهر رمضان، ويُعزى ذلك — وفق تفسيرات علمية — إلى تأثير الصيام في التوازن الهرموني والعصبي، من خلال زيادة بعض النواقل المرتبطة بالمشاعر الإيجابية، وخفض هرمونات التوتر، مما يدعم الإحساس بالهدوء والاستقرار.

كما يشير إلى أن أنظمة “الصيام المتقطع” أصبحت تحظى باهتمام متزايد في الأوساط الطبية العالمية كوسيلة مساندة لتحسين جودة الحياة النفسية، مؤكداً أن الصيام المنضبط صحياً يمكن أن يسهم في إعادة تنظيم الفكر والشعور والسلوك لدى الإنسان فشهر رمضان ليس فقط موسماً للعبادة، بل فرصة سنوية لإعادة ترميم الذات نفسياً، وبناء عادات أكثر اتزاناً، عندما يقترن الصيام بنوم منتظم، وتغذية متوازنة، وسلوك واعٍ.